أفكار ومواقف

أين نحن من تغير المناخ..؟!

أين نحن؟ في الحقيقة، في قلب مشكلة تغير المناخ، وربما أكثر من الآخرين. حسب تقرير نشره موقع «بي. بي. سي» الشهر الماضي، فإن «ظاهرة تغير المناخ تحمل تهديدات حقيقية لشعوب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ بوصفها المنطقة الأكثر عرضة للتأثر بالنتائج الكارثية لظاهرة الاحتباس الحراري، وذلك لامتياز أغلب بلدانها بمناخ صحراوي حار، وزيادة معدلات الرطوبة فيها لوقوعها على سواحل الخليج والبحر الأبيض المتوسط وبحر العرب».
ولا حاجة إلى التقارير. إننا نشهد كل صيف موجات الحرارة المرتفعة المتزايدة، حتى في بلداننا المعتدلة عادة. وقد أصبحت شتاءاتنا تأتي متأخرة وقصيرة وبخيلة بالأمطار، سوى الأمطار البرقية التي تغرق البيوت والمركبات والناس في لحظة. وتفاقمت لدينا أزمة نقص المياه إلى حدود مخيفة. ونحن نشترك مع بقية البشرية في مواجهة كارثة مقتربة، أو « نهاية عالم مناخية» في غضون 30 عاماً، كما يقدر العلماء. وسوف نعاني في الأثناء من الحرائق، والفيضانات، وارتفاع مستوى البحار التي قد تبتلع مدناً وجزُراً، ومن اختلال النظام البيئي. وسيكفل استمرار هذا الاتجاه تحقق أسوأ سيناريوهات أفلام الخيال العلمي عن المناخ (كما تحقق بعض من أكثرها جموحاً في مسألة الأوبئة).
مع ذلك، ليس هناك انطباع بوجود وعي عام كافٍ بهذا الخطر المحدق. ولا يبدو أن الحكومات تشارك بجدية في هذه المعركة الكونية من أجل الحياة –لا على مستوى الإجراءات، ولا التوعية الجماهيرية. ويبدو أن معظم الخطط لا تجد التوازن المناسب للمساهمة في مكافحة الاحترار الكوني، وكأننا معزولون عن بقية الكوكب. ويبدو أن الأزمات والحروب التي تكتنف المنطقة تجعل من تهديد المناخ أقل إلحاحاً. لكنه لن يترك أحداً في مأمن، سواء كان محارباً أم مُسالماً؛ غنياً أم فقيراً.
من خصوصيات منطقتنا بشأن المناخ أنها من أكبر منتجي إنتاج الوقود الأحفوري – الذي يُعتبر المسؤول الأبرز عن الانبعاثات المدمرة لمناخ الكوكب. ويحدد هذا الإنتاج بالذات التفاعل العالمي مع المنطقة وجيوسياساتها الإقليمية، ويؤثر على كل تفصيل في الحياة اليومية لمواطنيها. وتترتب على ذلك مسألتان: أولاً، اعتماد الدول المنتجة للوقود الأحفوري عليه في استدامتها وإدامة اقتصاداتها الريعية ونفوذها، مما يجعل من الصعب عليها الوقوف مع استبعاده وخسران مصدر رزقها. ثانياً، صعوبة الصمود طويلاً أمام الدعوات المتزايدة إلى نبذ الوقود الأحفوري لصالح مصادر الطاقة البديلة، مما يتسبب في كساد السلعة التي تحدد مسارات المنطقة، دولاً وأفراداً. ويتطلب ذلك الشروع بلا تأخير في التكيف مع الاتجاهات العالمية نحو الطاقة البديلة، وتأمين سبل استدامة بديلة لدول المنطقة ومواطنيها في عصر ما- بعد- الوقود الأحفوري، سواء لدى المنتجين أو المستفيدين من العمالة في دول النفط.
وفي مسألة التخطيط الحضري، تشير الدراسات إلى أن سكان المدن هم الأكثر عرضة للتأثر بارتفاع درجات الحرارة؛ بسبب ما يعرف بـ»تأثير الجزر الحرارية الحضرية، حيث يؤدي نقص الغطاء النباتي في المدن، والحرارة التي تخزنها المباني، إلى ارتفاع درجات الحرارة فيها عما يحيط بها من مناطق»، حسب التقرير المذكور. ومع ذلك، عكف جماعة التخطيط الحضري لدينا دائماً على تجاهل التحذيرات وأطلقوا المباني الإسمنتية لتبتلع المساحات الخضراء بلا رحمة. ويعرف الذي عايش تمدد عمان ومدن أخرى تماماً كيف حدث ذلك. ويغلب أن الجشع الذي يتطلب استغلال كل متر ثمين للبناء على حساب مساحات التنفس سيأتي بخسارة إضافية لا يمكن التراجع عنها فوق الخسائر المألوفة.
تتوقع الدراسات أن تصل الحرارة في بعض مدن الخليج إلى أكثر من 60 مئوية في الصيف في غضون 30 عاماً. وهي حرارة قاتلة للبشر. ومن المفارقات أن المكيفات التي تُستخدم للتكيف مع هذه الحرارة تضيف إلى الانبعاثات المدمرة للمناخ. وقد أصبحنا نحتاجها هنا في الأردن كضرورة مؤخراً. كما عانينا من خسائر بشرية ومادية بسبب السيول المفاجئة، ويهددنا جفاف السدود وعطش المزروعات والناس. ولذلك نحن في قلب معركة المناخ مسبقاً.
كتب جون كيري، مبعوث الولايات المتحدة للمناخ: «يحتاج كل فرد منا إلى القيام بدوره. تسوَّقِ المناخ بوعي. تأكَّد من أن صاحب عملك يستثمر في الاستدامة. تحدث إلى أصدقائك وجيرانك حول هذه المسألة، وادعم الساسة الذين سيتعاملون معها مباشرة. هذه معركة حياتنا، وكل شيء فيها يهُم».

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock