أفكار ومواقف

أين يذهب المال العام؟

خلال الأيام المقبلة سيشرع مجلس النواب بمناقشة مشروع قانون الموازنة العامة للعام الحالي. خطابات النواب ومداخلات الحكومة عادة ما تأخذ طابعا فنيا ومطلبيا، لا يجذب الجمهور العام، فتمر المناسبة دون أن يدرك الناس ما الذي سوف يتحقق هذا العام من مشاريع تنموية وخدمية، وأين ستذهب الأموال المرصودة في باب النفقات العامة.
الأمر ينطبق على جميع مؤسسات الخدمة العامة في الدولة، وحتى على كبرى إدارات القطاع الخاص التي تلعب دورا محوريا مساندا في المجال العام.
إن جانبا لابأس فيه لحالة فقدان الأمل عند الناس مرده عدم إدراكهم لما يدور حولهم؛ ماالذي تحقق في السنة الماضية، وما الذي ننوي إنجازه هذا العام. المعلومات بهذا الخصوص يجري تداولها في وسائل الإعلام بشكل عشوائي ومبعثر، أو على شكل أرقام جافة لايستسيغها عامة الناس. ثم وفي نهاية المطاف يلاحقنا ذات السؤال كل يوم في السنة؛ “وين راحت كل هالمصاري يأخي؟”.
بالتزامن مع المناقشات الجدية للموازنة العامة، وموازنات البلديات وامانة عمان الكبرى، والأذرع التنفيذية للدولة في المحافظات، من دوائر حكومية وصناديق تنموية واستثمارية، ينبغي التفكير بإعداد خريطة طريق واضحة ومبسطة لما تنوي كل هذه الأجهزة والمؤسسات تنفيذه خلال هذا العام، وفي جميع القطاعات.
اما الخطوة الثانية،  فهى ضمان وصول هذه الخريطة لكل منزل في المملكة. أمانة عمان على سبيل المثال لديها قائمة طويلة بالمشاريع المنوي تنفيذها ضمن موازنة أقرتها منذ أيام. كل ماهو مطلوب منها أن تعد كتيبا صغيرا بالمشاريع، وتوصلها لمنازل العمانيين. نفس الشيء يمكن لكل بلدية في المملكة أن تفعله.
الحكومة، باعتبارها السلطة المعنية بأكبر حصة من المشاريع في البلاد، تستطيع كل وزارة من وزاراتها إعداد بيان للناس يضمن قائمة المشاريع المقررة لهذا العام، وعرضها عبر وسائل الإعلام، وإرسالها لكل مواطن يملك عنوانا إلكترونيا.
لايمكن لكل مواطن يكدح طوال اليوم أن يعود لمنزله في المساء ليفتش بأرقام الموازنة عن قائمة المشاريع. من حقه كدافع ضرائب أن يحصل على المعلومات المتعلقة بأوجه إنفاق أمواله دون عناء. كما أن من حقه ان يعرف حجم المبالغ التي تنوي شركات كبرى كالبوتاس أو الفوسفات أو الاتصالات أن تخصصها تحت بند المسؤولية الاجتماعية، وفي أي المناطق ستنفقها، وهوية القطاعات المستهدفة.
في زمن يشهد ثورة معلومات رهيبة، يتعين على الحكومات ومؤسسات الخدمة العامة أن تطور من وسائل الاتصال والتفاعل مع جمهورها العريض، وتحول الكلام عن المشاركة الشعبية في صناعة القرار وبناء السياسات إلى واقع ملموس.
وفي مجتمعاتنا على وجه التحديد، ينبغي العمل على محاربة السلبية ومشاعر الخيبة، وفقدان الثقة بالمؤسسات العامة بطرق ووسائل خلاقة، تساعد المواطنين وعلى نحو متدرج على التفكير بشكل منطقي، عن طريق مدّهم بالمعلومات الموثقة والدقيقة، ليتخلوا وبشكل تدريجي أيضا عن ثقافة الاتهام والتشكيك بحق المؤسسات والمسؤولين.
إن مقاربة كهذه تمنح جمهورا عريضا من المواطنين فرصة لمساءلة الجهات الرسمية ومتابعة التزامها بتنفيذ ما وعدت به. ومن يخفق في الالتزام يصبح من حق الناس سؤاله “أين ذهبت مخصصات المشروع الفلاني؟”.

تعليق واحد

  1. "وين راحت كل هالمصاري يأخي؟".
    نعم نريد ان نعرف تفاصيل ما تم صرفه من المنحه الخليجية التي تضاربت الاخبار حول ما تم صرفه منها لغاية اللحظة وسؤالنا ما هو نصيب المحافظات منها وعلى اي المشاريع صرفت؟
    ياريت استاذ فهد ان تبحثوا كاعلاميين عن الاجابة على هذه الاسئلة

  2. الثقة
    يفكر الناس غير ما تفكر استاذنا الكاتب ويحتسبون غير ما تحتسب ، ليس ما يهمهم تنوع المشاريع وعديدها ولكن ما يهمهم توفر النية الصادقة لدن من سيقومون على إنجازها بأمانة وإخلاص .
    المعضلة اصبحت تتمثل بكيفية تخليص الناس مما يعانون من عدم الثقة ليس فقط بصحة الوعود من عدمه ولكنهم وصلوا الى حد الشك حتى بصدق النوايا . الحاجة اليوم ملحة ان ينهض اصحاب الإختصاص لدراسة اسباب هذا العوار الذي اصاب يقين وقناعات العامه !
    قبل ان يبدأوا بالعمل وذلك بإبتداع طرائق توصيل وتعريف لتفاصيل كل منجز على حده .
    اصبح الشك هذا الوحش المفترس يكاد يبتلع كل الأمال المنعقدة على تعاون الناس وقناعاتهم ان الامور تسير نحو الأفضل بعون الله تعالى . واجب الحكومات اليوم ان تفعل ما يفيد في هذا المقام والى الأمام والله ولي التوفيق .

  3. الشفافية أساس الديمقراطية
    يكتنف عمل الحكومة الكثير من الغموض، ولو تابع أحد المتخصصين وعود الحكومات المتعاقبة وقارنها بالواقع لاتضح غياب الشفافية وعدم الوفاء بالوعودات والمشكلة دائما بالغير ليس بنا نحن، على أية حال جميل ان الخليجيين اشترطوا صرف المبالغ بالمشاريع، الان أصبح المواطن يرى المشاريع تنفذ بتمويل من المنحة الخليجية، ولكن السؤال أين المشاريع التي تمولها الضرائب التي ندفعها؟

  4. إتاحة المعلومات عن المشاريع
    أخي الكريم فهد الخيطان،،،
    عام جديد سعيد وصحي ومزدهر،،،،
    أُقَدِّرُ عالياً أفكاركم وكتاباتكم على مدار السنين والأيام،،،ولكنّي أرى أنك في هذا المقال طموح "حبّتين زيادة" على رأي إخوتنا في مصر،،،فأنا أكتفي مثلاً لو قامت المؤسسات العامة بنشر وإتاحة المعلومات عن مشاريعها على مواقعها الإلكترونيّة كبداية!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock