أفكار ومواقف

أين يكمن القلق؟

لا أحد يوافق أو يقبل ما نسب إلى اللقاء الفتياني في أحد المطاعم من تصرفات غير لائقة نسبت إلى الحضور، وتبارى الجميع في شجبها وبمطالبة السلطة بالقصاص الشديد من المشاركين فيها.
لكن أحدا لم يخبرنا ما حدث بالتفصيل في ذلك اللقاء من تصرفات غير لائقة تخدش الحياء!!! وإذا كان عرض التصرفات بالفيديو محرجا، فإن وصفها بالكلام لا يحرج، لأننا لنوافق أو لنشجب يجب أن نرى ونتأكد، ولا نوافق أو نشجب على السمعة أو على “الريحة” كما يقال، أو نتيجة للمبالغة والتهويل وعمل قبة من الحبة.
معظم الرافضين طالبوا بإيقاع أشد العقوبات بالأطفال (حتى سن 18) وكأن القانون الذي يحفظ حقوق هذه السن يجب ان يُنحى، وأن يبادر كل أب وكل أم وكل جار وكل مسؤول بحمل عصا أو كرباج لضربهم وشكمهم.
بدلاً من ذلك، أي لو كانت العقلانية هي المرجع لطالب الهائجون بدراسة الموضوع، وماذا تم في اللقاء وبالتعرف على أسبابه وعوامله، فالأطفال قد يكونون ضحية لسياق المجتمع في الأسرة والمدرسة والإعلام.
وللأسف لم تبادر جهة إلى الاتصال بأحد منهم، أو إلى البحث في أمرهم. وحتى الجامعات التي تملأ الرحب القائمة على التدريس والبحث لم تبادر إلى ذلك، مع أنها فرصة سانحة لمعرفة الحقيقة وتزويد السلطات المعنية والأسرة والمدرسة والمجتمع كله بها، علها تعالجها، فقد لا يكون العلاج في سلوك الفتيان والفتيات، بمقدار ما هو في الأسرة والمدرسة والمجتمع والإعلام..
لو قامت جهة مختصة بالبحث لسمعنا صوت الأطفال من الجنسين واستمعنا إليه، وبماذا وكيف يفكرون، ولماذا إلى هذه التصرفات السلبية يلجؤون. وربما اكتشفنا أن الأطفال يتمردون احتجاجاً على التربية “المتزمتة” جداً في الأسرة والمدرسة والمجتمع، ومخالفة الأبوين والمعلمين والمعلمات والراشدين لما يعظون وعليهم يفرضون، وإنهم ليسوا قدوة. وأن الأطفال بحاجة إلى تربية أخلاقية ملتزمة من الداخل.
لو أجريت دراسة لهذا اللقاء لحولناه من حادث سلبي إلى إيجابي بمعرفة أسبابه وعوامله وعلاجها. لقد كان فرصة كبيرة ونادرة للباحثين. ولكنها لم تغتنم، لقد اكتفينا بالشتم والشجب وباء الأطفال بسوء المصير، لأن صوت الشاتمين والشاجبين أعلى، وكأن البحث والقانون لا يحكمان المجتمع وإنما هؤلاء الذين يصرخون ويهددون ويُكّفرون. والنتيجة بقاء الصندوق المليء بالنفايات مقفلا ويختمر وقد ينفجر في الوجه في لقاء “قلق” أكبر وأسوأ.
لكنني في الوقت نفسه أستغرب كيف تقوم القيامة على هؤلاء الأطفال بينما لم نرها تقوم على تصرفات القاعدة وداعش وفروعهما الإرهابية التي تستبيح أعراض اليزيديين وغيرهم، واللتين تفتكان بالأبرياء المصادفين بالمتفجرات والنار العمياء. لم نسمع ولم نر الجمهور الذي شجب قلق، يشجب القاعدة، وداعش، وخطف أمين عام مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” وتعذيبه. ولم يدع أحد من هذا الجمهور إلى إيقاع أشد العقاب بالإرهابيين والتابعين والخاطفين.
إن كلاً من علم النفس وعلى الاجتماع يقول: إنه ربما توجد مشكلة أو مشكلات عميقة تؤثر سلبيا على هؤلاء الأطفال، ولكن الكبار أو الراشدين/ البالغين في القاعدة وداعش هم الذين يفتكون بالناس الأبرياء المصادفين بتهمة الكفر.
*****
أود أن أعبر عن تقديري العظيم للدكتور أحمد ياسين القرالة في رده القوي واللاذع – الديني والعلمي – على الذين نسبوا فاجعة البحر الميت إلى انتقام الله من الناس بإغراق أطفالهم بدلاً منهم، مما يسيء إلى الله تعالى إساءة بالغة، وينسب إليه كارثة انتقامية لا تليق بعدالته!!
شكراً للأستاذ القرالة ولكن بقيت عليه نقلة وهي عنونة نقده بالتفسير العلمي (قوانين الله في الطبيعة) للأحداث والظواهر مع أنه وصفه تماماً في مقاله في الغد في 9/11/2018.
إن الذين نسبوا الفاجعة إلى عقاب الله للأطفال الأبرياء بدلاً من الراشدين “المذنبين” جامعيون وبعضهم يحملون درجة الدكتوراة مع أن الطفل يدرك عكس ما ادّعوا. وعليه فإنني أعتقد أنهم لا يصدقون إدعاءاتهم وإنما يتاجرون بالدين فبه على السلطة والغنائم والمكاسب في الدنيا يسطون ويستولون.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock