أفكار ومواقف

أيّ فرصة للعرب..؟!

لا بُدّ أن يكون الذي شاهد العرض العسكري المذهل الذي نظمته الصين بمناسبة عيدها السبعين قد سمع في نفسه شيئًا من قبيل: “نحن أين والناسُ أين”. نظرياً، لا تمتلك الصين شيئاً أكثر من العرب -إلا وطنية قادتها، وإخلاصهم لقوميتهم وانتصارهم لكرامتهم وكرامة شعبهم. وقد استطاعت تلك الأمة الفخورة التي تجاسر عليها البغاث ذات مرة أن تنهض في 70 عاماً، لتصبح شيئاً مرعباً للخصوم ومثيراً للإعجاب. فما من شيء إلا صنعوه. وما من تقنية إلا استكشفوها وتفوقوا فيها. ولا شيء يردُّ رأسهم اليوم إلا انتزاع قيادة العالم التي يسعون إليها زحفاً على الوسائد وهجوماً بالأنياب.
وليست الفكرة أن العرب أكثر عراقة من الصينيين، وإنما الصين حضارة كبَت ونهضت بعد أن غزتها اليابان الصغيرة وأذلتها بعض الوقت. ويتحدث الإعلام الغربي بمثابرة النمل عن الاستبداد الصيني كنقيض للديمقراطية الغربية. ولكن، بالنسبة لأناس مثلنا نحن العرب، حبذا “الاستبداد” إذا كانت نتيجته النمو الاقتصادي، والتقدم المادي، وارتفاع مستوى المعيشة، ورقي الخدمات والتقدم العلمي – وكرامة الانتماء إلى أمَّة ناهضة عمودياً وبلا توقف. ولا مراء في أن استبدادا من نوع “الحزب الواحد” الصيني، أفضل من استبداد “الفرد الواحد” مع التخلف والفقر وخراب البيوت –والذل الوطني والعجز عن المنافسة على أي شيء.
ثمة فيديو دعائي للعيد الصيني يعرض على شاشتين متجاورتين لقطات من عرض عسكري قبل بناء الصين الحديثة، ولقطات من العرض الأخير في نفس الميدان. وشتّان بين العربات العسكرية البائسة والجنود المهلهلين، وبين المشهد الفضائي الهائل المرتب من الجنود والمركبات في 2019! ولو كانت الصين قد تقسمت إلى دول ودويلات كما حدث لنا، لتغير الكثير بالتأكيد. وكانت بديلاتها ستشبه غالباً دولاً صغيرة نسبياً مثل كوريا واليابان، والتي هي متفوقة علينا أيضاً، وإنما التي لا تنافس على زعامة وتحتاج إلى حُماة.
بالنسبة لنا، نحن العرب تعني الإمكانات العسكرية الجبارة التي عرضتها الصين فقط أن قوة عالمية جديدة تُعرِّف بنفسها لتضيف متنافساً آخر على الهيمنة علينا. وربما لا مبالغة في القول بأن مجرد العينة الصغيرة من الصواريخ والمعدات والقوات التي ظهرت في العرض العسكري كافيةٌ وحدها لإلحاق منطقتنا وأهلها –الذين بلا دفاع ولا ردع- بالبائدين. والأهم، أن تلك الصواريخ والمعدّات والتقنيات هي من صناعة ذلك البلد ومن إبداع أبنائه وعلمائه، وليست مُشتراة من أعدائه بمال مواطنيه. وهي ليست مصنوعة لتصدأ في المخازن، وإنما لتعمل كأداة ضرورية لانتزاع حصة من النفوذ العالمي والثروة العالمية، وفرض الهيبة.
ولماذا نذهب بعيداً؟ فللننظر فقط إلى الصواريخ والمعدات التي تصنعها إيران وترهب بها القريبين وتجعل البعيدين يتحسّبون، أو ترسانة الكيان الصهيوني وصناعاته العسكرية –حتى مع أنه يعمل بالهبات وليست لديه الموارد الذاتية التي لدى العرب! والنتيجة أن الجميع يتنمرون علينا –كبيرنا قبل صغيرنا. ولم تكن هذه الحقيقة أوضح مما أصبحت الآن، بالإعلان فوق رؤوس الأشهاد عن ابتزاز العرب وطلب أجرة حمايتهم، حتى بعد بيعهم أسلحة بمليارات الدولارات من نفس الجهات التي يشترون حمايتها مع ذلك!
حوّلت عقود طويلة من السياسات الخائبة والأنظمة سيئة المشورة إلى جعل ملايين العرب ثيرانا بيضاء بلا قوة ولا عناد، وإنما واضحة في الليل والنهار للمفترسين ومقدمة لأكل البُنية والسوداء. ولا يقدّر أحد أن الوطنية ليست بالضرورة في القُطرية، وإنما في وضع الأوطان الصغيرة كتفاً إلى كتفٍ في مجموع حامٍ وطموح. وليست المسألة مجرد بناء قدرات عسكرية منفصلة –ولا يمكن أن تكون منفصلة- عن بقية الكيفيات لنيل حصة في العالم، أو حتى احتفاظ المرء بحصته. فالبناء العسكري من هذا النوع لا يأتي بغير استثمار اقتصادي ونهوض علمي وتعليمي وتجنيد الشعوب خلف قضية جامعة مقنعة ومثمرة. والذين صنعوا الصاروخ الصيني القادر على بلوغ أميركا في دقائق هم الذين صنعوا القطار الطلقة، والجسور والأبراج والمصانع، وتسيّدوا الفضاء السيبراني.
ولا علاقة للأمر أيضاً بالعصبية القبَلية –ولو أن العالَم كله قبَلي. إنه يتعلق بما هو عملي وصالح في عالَم لا ينتظر المتعثرين. وحتى الآن، لا يبدو أن ثمة فرصة فيه للعرب، بحُداة لا يستطيعون قيادتهم إلى الخروج من الصحراء.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock