ترجمات

أي دور لأوروبا في العالم؟

بيير فيمونت – (لوموند) 2/5/2012

 ترجمة: مدني قصري

في البداية كان المشروع الأوروبي مشروعا داخليا. كان مشروع سلام ورخاء اقتصادي. وبعد معاهدة ماستريخت بدأنا نسأل أنفسنا ما الذي ينبغي أن يحمله إلينا هذا المشروع في قادم الأيام. لكن الخطوة التالية من المشروع، وهي مرحلة الانتقال إلى القوة السياسية، لم تمر في يسر لأنه، ببساطة، لا وجود لاتفاق بين الدول الأعضاء حول الغاية التي تصبو إليها أوروبا.
إن أوروبا تنظر إلى نفسها باعتبارها “قوة ناعمة”. لكننا لم نحاول قط أن نغوص حقا في عمق هذا المفهوم، ولم نسعَ لتحديد خطوط العمل الكبرى. لكن لماذا تصرفنا على هذا النحو؟ في هذا الشأن أعتقد أننا يمكن أن نذكر ثلاثة أسباب. وأما السبب الأول فهو أن مفهوم القوة نفسه لا أثر له حقا في الشفرة الوراثية لأوروبا. ففي كتابه “القوة في القرن الحادي والعشرين” يقول  بيير بوهلر إن البناء الأوروبي يستجيب للرغبة في السلام والاستقرار. ولذلك فإن مفهوم القوة متناقض مع ما كان يشكل في الأصل النهجَ الذي تبناه الأوروبيون.
وأما السبب الثاني فهو أن الاتحاد الأوروبي قد بُني من الدول الأعضاء التي كان لكل واحدة منها خصوصيتها في مجال السياسة الأمنية  والدفاعية، وخصوصا في علاقة هذه السياسة مع سياسة حلف شمال الأطلسي الذي كثيرا ما كان وجوده يوصف، خطأً، بالمنافس للمشروع الأوروبي.
ونضيف إلى ذلك أن كل دولة من الدول الأعضاء قد اعتمدت عددا من الموارد في مجال “القوة الناعمة”، وأن الاتحاد الأوروبي ذاته قد تزود تدريجيا بأدوات “القوة الناعمة”. لكن أوروبا كانت في كثير من الأحيان تضع هذه الأدوات من دون فكرة واضحة عن تأثير القوة التي كانت ترغب في أن تفرضها من خلال هذه الأدوات.
تُرى، في أي عالم تتقدم أوروبا اليوم؟ إن العالم المُعولم الذي نعيش فيه اليوم يفرض علينا علاقات جديدة، وتحديات جديدة. فهذا العالم الجديد يتميز أيضا بتسارع قوي. والحال أن هذا التسارع لا يحدث فقط في العمل، وإنما يتجسد أيضا في ما يتعين علينا أن نقوم به باستمرار من تحليل وتقييم للأحداث.
لكن ما هي التحديات المتوقعة؟ إن التحدي الأول هو علاقات القوة الاقتصادية الجديدة التي يجري إنشاؤها الآن والتي ستدفعنا إلى إعادة النظر في سياساتنا تجاه مختلف مناطق العالم. ومن التحديات أننا نشهد أيضا ظهور مرجعية استراتيجية جديدة ما بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا. فالشراكة عبر الأطلسي يبدو أنها صارت مؤهلة اليوم للنمو والتطور. وعلى أي حال فسوف تفرض هذه الشراكة على الأوروبيين أن يسألوا أنفسهم حول عدد من القضايا المصيرية. وأخيرا هناك التحدي الأخير، وهو تحدي الجوار، ليس جوار الجنوب وحسب بل جوار الشرق أيضا.
ولا بد من أن نختم هذا التحليل بملاحظات ثلاث: الملاحظة الأولى أن ثمة شرطا أساسيا لا غنى عنه، وهو أنه إذا لم نصل إلى حلّ ناجع للأزمة المالية المتفاقمة حاليا في أوروبا فكل شيء آخر سيكون غير ذي أهمية. لكن، فيما وراء كل ذلك ما الذي ينبغي علينا أن نفعله حتى تستعيد أوروبا طاقتها وحماسها وآمالها؟ يجب علينا أوّلا أن نضع رؤية استراتيجية ملائمة للاتحاد الأوروبي. قد يكون من الواجب والضروري لتحقيق هذه الرؤية أن نخصص أربع أو خمس سنوات لوضع خطة عمل واقعية وملموسة. كما ينبغي أن تتضمن خطة العمل هذه تحديد أولويات واضحة ودقيقة. ولا بد أيضا من تفعيل نهج متكامل للعمل الخارجي الأوروبي. فالاتحاد الأوروبي هو المجموعة الوحيدة في العالم التي تملك على خريطة طريقها جميع وسائل العمل. لكن هذه الوسائل لن تحقق فعاليتها إلا في حال توفر التنسيق الحازم والمتين. من خلال تفعيل هذا التنسيق وحده، يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يثبت وجوده، ومكانته الكاملة على الساحة الدولية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Quelle Europe dans quel monde ?

[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock