أفكار ومواقف

أي “ردّ” فلسطيني..؟!

في الأيام المجيدة أكثر من الآن بما لا يُقاس في الخبرة الفلسطينية، لخصت أنشودة ثورية رد الفعل الفلسطيني على العدو. تقول الأنشودة: “هذا هوّه ردّ ثورتنا، هذا هوّه الرد/ قنبلة تتفجرْ/ وعصايا وخنجرْ/ وعبوة تنسف… ورصاصة تدوي/ والثورة طريقنا لكل الأرض”. ولكن، مثل كل أنواع الردود التي رافقت تلك الفترة، دفعوا بهذه الأغنية وذلك “الردّ” إلى الأقبية. وأصبحت قيادة تحويل المشروع الفلسطيني من ثورة تحررية إلى شيء هُلامي مائع، تخجل من ذلك الرد، وكأن مقاومة المضطهَد تدين صاحبها. وقد اعتادت الآذان على النغمة الجديدة، بحيث اضطر السادة القادة إلى إدانة “العنف” الفلسطيني -إذا رد الفلسطيني المقهور على الجيش المدجج بمجرد العصا والخنجر.
بعمل عقود خائبة حقاً، تحول الرد الفلسطيني من العمل إلى الخطابة غير المستندة إلى الفراغ –ربما إلا إلى شكل متطرف من المثالية التي لا تُطعم خبزاً ولا يشتريها أحد في هذا العالم. ربّما عوّل القادة على إيقاظ شيء خيري مغمى عليه في نفس العدو المباشر، أو راعيه البعيد خلف المحيط، أو قادة العالم المتواطئين، ليردّوا على السلمية بالسلمية والمنح؟ قد يصلح هذا للشعر، لكنه لا يصلح لتحرير الشعوب المسحوقة التي تواجه الواقع يومياً، حيث لا عمل إلا للفعل المادي؛ حيث العدو مكتسٍ بـ”الحقيقة” المعدنية، من الخوذة، إلى الرشاش والهراوة، والعربات المدرعة والطائرات. أي فرصة للكلام الذي يذوب في الهواء ولا يكاد يصل أذناً ولا قلباً، أمام ذلك التحقُّق الملموس الطاغي لإرادة العدو؟!
في “الرد” الأخير على وعد العدو بضم غور الأردن وغيره، قال الرئيس الفلسطيني إن “جميع الاتفاقات الموقَّعة مع الجانب الإسرائيلي وما ترتب عليها من التزامات تكون قد انتهت، إذا نفَّذ الجانب الإسرائيلي فرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن وشمال البحر الميت وأي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967”. وقال أيضاً إن تنفيذ الوعد بضم هذه المناطق هو “بمثابة إنهاء لكل فرص تحقيق السلام، وتقويض لكل الجهود الدولية الرامية لإنهاء الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي”.
ردٌّ هزيل، لا يكاد يقترب من أي شيء له معنى عملي؛ بل هو تمرين في إنكار الواقع ومحاولة بيع ما لا يشتريه أحد. فالذي يهدِّد –أولاً- يجب أن يعتمد معرفة أكيدة لدى الغريم بأنه مستعد حقاً، وقادر، وراغب في إعمالِ تهديده. وقد يأخذونه على محمل الجد.
ماذا يعني إعلان أن “الاتفاقيات الموقعة مع العدو وما ترتب عليها من التزامات تكون قد انتهت إذا نفذ العدو تهديده”؟ أليست هذه ا”لاتفاقيات” –مثل أي اتفاقيات- تكون منتهية حُكماً إذا لم يلتزم أحد طرفيها بها قطعياً منذ اليوم الأول؟ ألم يفعل العدو، من تجاهل الفترة الانتقالية، إلى التوسيع اليومي للمستوطنات، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي، وقتل الناس، إلى إعدام كل فرصة لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة؟
كان التزام العدو هو بجلب القيادة الفلسطينية لتكون تحت يده، وضمان أن لا تتحرك متراً إلا بإذنه، والأهم، إلزامها بـ”التعاون الأمني” والنيابة عنه في إحباط كل فعلٍ مقاوم، والابتعاد أكثر كل يوم عن طريق الحرية منذ أوسلو. وقد التزمت قيادة الفلسطينيين بكل شيء أراده العدو، ولم يلتزم هو بأي شيء يريده الفلسطينيون. ومع ذلك، لم يعتبر الطرف الملتزم بإيذاء نفسه الاتفاقيات منتهية حتى الآن؟
وما الجملة الشرطية “إذا نفذ الجانب الإسرائيلي فرض السيادة..”؟ ما هو إذن تحكم ذلك “الجانب” في الناس، والحركة، والحرية والأرض، والبيوت والساحات، والهواء والحدود ولقمة العيش؟ أي سيادة لدى الفلسطينيين، والتي “إذا نفذ العدو” فرضها تنتهي الاتفاقيات؟ ربما “سيادة” أصحاب المناصب على مواطنيهم؟
وما “السلام” الذي ستنتهي فرصه إذا نفذ العدو تهديده؟ أي سلام لضعيف؟ وهل عمل العدو حقاً من أجل سلام الفلسطينيين، وهو الذي يتمنى موتهم –ويعمل عليه؟
الكل يعرف أنه لولا أن وجود “السلطة الفلسطينية” يخدم مصلحة العدو لما أبقاها دقيقة واحدة. ولن يعباً الكيان الشرير المدعوم من أقوى قوة في العالم من تداعيات طرد السلطة، إذا كان برنامج التحشيد لساسته، والذي يروق لمستوطنيه في كل فلسطين، هو الوعد بـ”الضم” -يعني إنهاء “سيادة” السادة، المستلبة منذ اليوم الأول، في أراضٍ مضمومة فعلياً منذ احتلالها.
الموقف الهزيل يولد هكذا ردّا هزيلا.. هذه حقيقة الأمور.. إلى أن يتغير شيء!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock