أفكار ومواقف

أي طريق تسلكه الجزائر؟

لم يتعلم بو تفليقة الدروس من تجربة بن علي في تونس ولا مبارك في مصر. كان يكفي الجزائريين إعلان من الرئيس بعدم نيته الترشح لولاية خامسة، لتمضي الجزائر للتغيير دون حاجة لاختبار مسار الانتفاضة الشعبية المحفوفة بمخاطر مستقبل مجهول.
حالة الجزائر تشبه الحالة المصرية. الجيش المؤسسة الأكثر نفوذا وطغيانا في الحياة العامة يتدخل لنصرة الشعب وعزل الرئيس، لكن هذه الخطوة على أهميتها ليست كافية لتوحيد الشعب الجزائري حول برنامج عمل لليوم التالي بعد بوتفليقة.
نشوة الانتصار في الشارع دفعت بقوى سياسية وحراكية لرفع سقف مطالبها وتجاوز الآليات الدستورية التي تحدد مواصفات المرحلة الانتقالية، فيما الجيش والمجلس الدستوري متمسكان بها.
منذ اللحظة الأولى لإعلان استقالة بوتفليقة ظهر الانقسام واضحا بين اتجاهين يتنازعان الشارع الجزائري وقواه المتنفذة. وإذا لم يتمكن الطرفان من تجسير فجوة الخلاف فإن الجزائر مهددة بمصير دول عربية ماتزال تكابد فوضى التغيير الشعبي.
سبق للجزائر أن سلكت طريق التغيير الديمقراطي السلمي قبل ثلاثة عقود، لكن التجربة سقطت في مهدها، بعد فوز الإسلاميين بنتائج الانتخابات التشريعية، لتدخل البلاد في عشرية سوداء سالت فيها دماء غزيرة، وتسيدت جماعات إرهابية المشهد في حرب مفتوحة مع الجيش وقوى الأمن، إلى أن تولى بوتفليقة السلطة العام 1999 ليضع حدا لهذه المأساة، ويعقد اتفاق مصالحة تاريخيا مع جماعات الإسلام السياسي أفضى لعفو عام عن معتقليهم في السجون.
كان بمقدور بوتفليقة أن يعيد توجيه دفة الحياة السياسية في الجزائر لتستعيد مسارها الديمقراطي البرلماني، لكن النفوذ التاريخي لجبهة التحرير وقوة الجيش الطاغية، والتحالف المتين بين رجال الأعمال وأصحاب القرار من حول الرئيس فوت الفرصة على الجزائر.
ظلت الجزائر هدفا محتملا للتغيير مع اندلاع موجة الربيع العربي، لكن مآلات الثورات في دول الجوار أخمدت بريق الشارع،على أمل رحيل بوتفليقة بسبب ظروفه الصحية، وفتح مسار جديد للمستقبل. بيد أن الرئيس العاجز كليا واصل تحدي مرضه وإرادة شعبه، ما دفع بالجماهير إلى النزول للشوارع في انتفاضة تتفق في طبيعتها مع ما شهدته شوارع المدن العربية قبل سنوات.
أظهر ملايين الجزائريين الذين نزلوا للشوارع رغبة عارمة بالتغيير السلمي، وبعد استقالة بوتفليقة ارتفع سقف مطالبهم بمرحلة انتقالية تأسيسية تتخطى طبقة رجال الحكم الحاليين. لكن يخشى من أن يؤدي ذلك لصدام مع مكونات الدولة العميقة وقواعدها التي حكمت الجزائر منذ 58 عاما، وأرست تقاليد راسخة في الحكم والممارسة والثقافة السائدة يحتاج تجاوزها لمرحلة انتقالية توافقية تضمن السلم الأهلي وتجنب خيار المواجهة المكلف.
وثمة أدوار لقوى دولية غربية وإقليمية ترتبط بشبكة مصالح ومشاكل مع الجزائر لن تقف مكتوفة الأيدي حيال التطورات الجارية، ومثلها أطراف عربية استثمرت في دول الربيع العربي،لابل دخلت في صراع نفوذ فيما بينها، مثلما شهدنا في ليبيا مثلا.
مسار التحولات في الجزائر سيعني الكثير لدول وشعوب عربية فإما أن تكتب الجزائر فصلا مشرقا في التغيير الديمقراطي أو تؤكد التجربة من جديد ذات النتائج المخيبة لثورات الربيع العربي في أكثر من بلد عربي.الأمر معقود على حكمة الشعب الجزائري.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock