ترجمات

أي منطقة آمنة؟ هامش تركيا المتقلص للمناورة في سورية

يافوز بيدار – (ذا أراب ويكلي) 20/1/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تركز الكثير من الحديث في تركيا مؤخراً على ما تدعى “المنطقة الآمنة”، أو قطاع من الأرض على طول الحدود السورية التركية. وقال إردوغان إن ترامب أعطى تركيا الضوء الأخضر لإقامة منطقة آمنة، بمساحة تزيد على 500 كيلومتر طولاً و32 كيلومترا عرضاً. والمنطقة التي يشار إليها بـ”شرق نهر الفرات” هائلة الاتساع. ولك أن تجري الحسابات الرياضية، وسيتضح لك من التصريحات الأميركية والتركية أن لدى الطرفين فهما مختلفا تماماً لما ستكون عليه هذه المنطقة.

  • * *
    يشبه تحليل الأحداث في الشرق الأوسط قراءة راحة اليد باستخدام عدسة مكبرة -لا شيء كما يبدو وليس ثمة الكثير مما هو واضح. الكاسب السياسي اليوم هو الخاسر الكبير غداً. وسيكون أولئك الذين في سُدة السلطة حكيمين إذا هم استمعوا إلى النصائح الجيدة، وأولوا انتباهاً كافياً إلى التاريخ وفكروا في كل شيء أكثر من مرتين.
    كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، آخر ضحايا غرائزيته الخاصة. ولا يبدو الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، الذي كان مضلَّلاً هو الآخر بأوهامه الخاصة عن العظمة، قادراً على التعافي مما يبدو خطأ كبيراً.
    مع التداعيات المتسعة باطراد للقرار الأميركي بسحب الجيش من سورية، أصبح كل من ترامب وإردوغان واقعين في مشكلة خطيرة، وحوصر كل منهما في زاوية نتيجة لقصر نظرهما.
    ربما يكون الهجوم الإرهابي الكبير الذي شُن يوم 16 كانون الثاني (يناير) في منبج في شمال شرق سورية، والذي أسفر عن مقتل أربعة جنود أميركيين بين العشرين شخصاً الذين لقوا مصرعهم، مجرد حادث غير متوقع واحد مرتبط بقرار ترامب. ومن الصعب معرفة ماهية الأشياء التي أطلقها القرار من عقالها في الوضع المعقد الذي تشكله سورية، لكن الهجوم ربما يفضي إلى تداعيات سوف تضيف إلى الدراما الجارية فحسب.
    بعيداً عن ذلك، يدرك الجانب الأميركي مضامين وتداعيات سحب قواته من سورية. إنه يعني التخلي عن دور رئيسي في تحديد مستقبل سورية. وهو بمثابة إعلان بأن عملية جنيف التي تدعمها الأمم المتحدة غير مجدية ولاغية، والذي يترك مساحات أوسع لكل من روسيا وإيران.
    بعد وقت قصير من إعلان ترامب المذهل عن الانسحاب الأميركي، قال كاتب هذا العمود أنه، على الرغم من رد فعل أنقرة المتحمس، فإن إردوغان لن يخرج كاسباً. وقد حدث الكثير من التذبذب في واشنطن منذ ذلك الحين. وهناك كل إشارة إلى أن أنقرة أصبحت مضغوطة دبلومسياً بشكل أكبر من أي وقت سابق، وأن لديها متسعاً أقل بكثير للمناورة بين اللاعبين الرئيسيين في المسرح السوري.
    تركز الكثير من الحديث في تركيا على ما تدعى “منطقة آمنة”، أو قطاع من الأرض على طول الحدود السورية التركية. وقال إردوغان إن ترامب أعطى تركيا الضوء الأخضر لإقامة منطقة آمنة، بمساحة تزيد عن 500 كيلومتر طولاً و32 كيلومترا عرضاً. والمنطقة التي يشار إليها بأنها “شرق نهر الفرات” هائلة. ولك أن تجري الحسابات الرياضية، وسيتضح لك من التصريحات الأميركية والتركية أن لدى الطرفين فهما مختلفا تماماً لما ستكون عليه هذه المنطقة.
    في البداية، كان إردوغان يتحدث عن بناء منازل في المنطقة الآمنة بتمويل من الولايات المتحدة. وربما وجد الأميركيون الفكرة مضحكة جداً بحيث أنه لم يتلق أي رد فعل من ترامب أو أي من مساعديه.
    وشرح يسار ياكيس، وهو زوير خارجية تركي سابق، لموقع “أحوال” الإخباري أن تركيا تريد أن تقطع كل الشوط وحدها في السيطرة على المنطقة الآمنة. وتريد الولايات المتحدة تأمين الوجود الكردي في شمال شرق سورية وإنشاء منطقة حظر للطيران من خلال الأمم المتحدة. وعلى مستوى آخر، يبدو أن ثمة القليل من الوضوح حول الكيفية التي ستعامل بها الحليفان مع الانسحاب.
    من جهته، أرسل آرون ستاين، الخبير الأميركي في الشؤون العسكرية في سورية، تغريدة على “تويتر”، قال فيها: “تقول الصحيفة الأميركية غير الرسمية إن الولايات المتحدة والجمهورية التركية سوف ينسقان حول الانسحاب، ولكن وفق أي فهم، فإن الانسحاب الأميركي ليس مشروطاً باتفاق بين واشنطن وتركيا. لماذا هذا مهم؟ إذا فشلت المحادثات حول المنطقة العازلة، فإن الخطوات المضادة التي سيتخذها الفاعلون الآخرون ستكون مهمة لمستقبل شمال شرق سورية”.
    في الحقيقة، لا يتعلق الأمر بما إذا كانت المحادثات حول المنطقة العازلة ستفشل، وإنما بمتى سيحدث ذلك. وقد أخبرت سورية تركيا بأن أي تحرك إلى داخل أراضيها سوف يُعتبر عملاً عدوانياً. وعبر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عن القلق إزاء نوايا أنقرة بخصوص السيطرة على منطقة واسعة في سورية. وتحتفظ إيران برأيها لأنها ترى الطبيعة غير العملية للموقف التركي. وبعد الهجوم في منبج، ربما يقوم الأميركان بتعديل قرارهم حول سورية.
    يساعد تحديد مواقع جميع هذه القوى الأربع على تفسير الكثير. وهو يوضح أن من غير الممكن وجود منطقة آمنة تسيطر عليها تركيا داخل سورية من دون موافقة الجميع. ولذلك، سوف تبقى المنطقة الآمنة مجرد واقع خطابيّ فقط. ومن السخف اقتراح أن تركيا سوف تدخل أراض أجنبية بلا دعوة، وتتجاهل الأملاك الكردية الخاصة وتنشئ مشاريع بناء ضخمة. ويتفق الخبراء على أن إقامة منطقة آمنة سوف يتطلب، في أي حال من الأحوال، قراراً من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
    في مواجهة هذا الواقع، ينظر إردوغان إلى موسكو باعتبارها أمله الوحيد، لكنه ربما لا يصل إلى أي مكان فيما يتعلق بمساعدة خططه في سورية. وقد أصبحت روسيا تضيق ذرعاً بما تراه عجزاً تركياً -أو عدم رغبة في العمل- في إدلب. هناك، يحرز الجهاديون التقدم بدلاً من قيام أنقرة بنزع سلاحهم. ومن الآمن افتراض أن موسكو سوف تتحدث بشدة حول إدلب. ومن الواضح أن هامش المناورة التركي قد تقلص.

*رئيس تحرير موقع “أحوال” الإخباري. كان صحفياً لمدة 40 عاماً. وكان من بين المؤسسين الأوائل، في العام 2013، لمنتدى الصحافة الحرة، الذي يراقب قطاع الإعلام وأحوال الصحافة في بلده.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: What safe zone? Turkey’s margin to manoeuvre in Syria shrinks

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock