أفكار ومواقف

إبراهيم زيد الكيلاني

كنا على موعد يومي مع الدكتور إبراهيم زيد الكيلاني، الساعة السادسة والنصف صباحا في إذاعة عمان، عندما كنا نبدأ يومنا مع الإذاعة. جيلي يعرف الشيخ أبو الطيب معرفة وثيقة بدون أن يلتقيه؛ فقد كان من وجهة نظرنا أعظم متحدث وخطيب، يحرك مشاعر الناس وعواطفهم بلغته الجميلة وأشعاره المنفعلة. لم أعرف أحدا كان قادرا على التأثير في الناس مثل الشيخ إبراهيم زيد الكيلاني. عرف جيلنا خطباء ومتحدثين مؤثرين كانت تُشد الرحال للاستماع إليهم، مثل الشيخ عبدالله عزام والأستاذ يوسف العظم، ولكن لم أشاهد المصلين في صلاة الجمعة يهتفون ويصفقون إلا في خطب الشيخ إبراهيم زيد الكيلاني.
وعندما تحدث بعد احتلال القدس في جبل عرفات، في الاحتفال السنوي التقليدي الذي يجرى يوم عرفة من كل عام، هز مشاعر الناس في جميع أنحاء العالم، وأثنى عليه الملك فيصل، وكتبت الصحافة السعودية عن الخطيب الأردني الذي أبكى مئات الملايين!
ثم زحف الخراب على الخطابة، كما زحف على سائر الفنون والثقافات. وغمرت المساجد والفضائيات أسراب من المتأتئين والاستعراضيين! ماذا حدث لنا يا جماعة الخير؟ ولماذا؟ فما تزال الخطابة فنا راقيا يشد الجمهور الغربي، ويسجل أهم الخطب وأجملها، ويعلّم أبناءه فنونها في المدارس والمسارح.
في العام 1970، كانت حلقات الشيخ إبراهيم زيد الكيلاني تذاع كل يوم بلا توقف في الإذاعة؛ تواجه الفتنة وتدعو الى الوحدة والأخوة، فيتعجب أصدقاؤه ويسألونه: كيف تقدر على الوصول إلى الإذاعة في ظروف بالغة الخطورة، ولا يكاد يقدر أحد على التجول؟ ولكن تبين أنه سجل عشرات الحلقات وأودعها في الإذاعة. والمدهش أنها كانت تبدو وكأنها تعليق يومي حي ومباشر على الأحداث والأزمة التي كادت تعصف بنا، ولكن الله سلّم!
كان الدكتور إبراهيم زيد الكيلاني نسيج وحده؛ يجمع في شخص واحد العالم التقليدي الأزهري، والشاعر المنفعل، والخطيب المتحمس بلا حدود، والأكاديمي الملتزم، والسياسي الثابت العنيد، والمفكر المعتدل، والإنسان الكريم المتواضع.. يصعب جدا تصنيفه في خانة واحدة؛ ففي خطبة تراه يحرق الأخضر واليابس، ويعارض بقوة وشراسة، وفي مناسبة أخرى تراه تصالحيا وسطيا.
كانت أمي تحرص على الاستماع إلى أحاديث الشيخ إبراهيم زيد الكيلاني، ولا تكاد تفوّت منها شيئا برغم طبيعة العمل والحياة في بيئة فلاحية. وكانت تفضّله على من سواه من المتحدثين في البرامج الإذاعية، وفي خطب الجمعة التي كانت تبث. وجدته من حديثه ومن الاستماع إليه، عالما متواضعا قريبا إلى المستمعين. وعندما وصل إلينا التلفزيون، تأكد لديها حكمها ومقارناتها التي كانت تجريها غيبا من استماعها إلى الإذاعة.. الرجل الذي تحبه عندما تستمع إليه، وتشعر وكأنك تجلس وإياه في مجلس حميم، وأنك وإياه صديقان مقربان.

[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock