أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

إبراهيم غرايبة يكتب: ترامب وساندرز: أزمة الأيديولوجيا السياسية

يؤشر التنافس السياسي الجديد في الولايات المتحدة بين اليمين (ترامب) واليسار (ساندرز) إلى انحسار أيديولوجية الوسط السياسي من المحافظين الجمهوريين والليبراليين الديمقراطيين بما هي الرواية السياسية المؤسسة للولايات المتحدة والديمقراطية الغربية بعامة منذ أكثر من ثلاثمائة سنة لتحلّ مكانها استقطابات حادة بين اليمين واليسار بعدما كانا (اليمين واليسار) أداة تأثير ومراقبة سياسية على الوسط أكثر مما هما أيديولوجيا للحكم.
إنّ الأفكار السياسية لا تنشأ من فراغ، ولا تسقط من السماء كالمطر، إنما تكوّنها الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وببساطة ترتبط النظرية بالحياة السياسية. والناس لا يرون العالم كما هو، لكن كما يتوقعونه أن يكون، أو عبر حجاب من المعتقدات والافتراضات المتأصلة، وقد استخدم مفهوما الأيديولوجيا والأيديولوجي للإشارة إلى المتعصبين؛ ما جعل المفهوم ملتبساً، كما ارتبطت الأيديولوجيات السياسية بطبقات اجتماعية معينة؛ فالليبرالية ارتبطت بالطبقة الوسطى، والأيديولوجيا المحافظة ارتبطت بالأرستقراطية المالكة للأرض، والاشتراكية بالطبقة العاملة، لكن من المؤكد أنّه مفهوم يشمل جميع الأفكار والفلسفات السياسية باعتباره منظوراً لرؤية العالم.
ليس هناك تعريف مستقر أو متفق عليه لمصطلح الأيديولوجيا، ومن المعاني التي ارتبطت بالأيديولوجيا: نسق عقيدي سياسي، ومجموعة من الأفكار السياسية ذات التوجه الحركي، وأفكار الطبقة الحاكمة، ورؤية كونية لجماعة اجتماعية أو طبقة اجتماعية معينة، وأفكار سياسية تجسد أو تبين المصالح الاجتماعية أو الطبقية. وقد عرفها مارتن سيلجر بأنّها مجموعة من الأفكار يضع من خلالها الناس ويبررون غايات ووسائل النشاط الاجتماعي المنظم، بغض النظر عما إذا كان ذلك النشاط يهدف للحفاظ على نظام اجتماعي بعينه، أو تعديله، أو تغييره، وبهذا التعريف لا تعد الأيديولوجيا أمراً سيئاً أو جيداً، صادقة أو كاذبة، معتدلة أو متطرفة، لكن يمكن أن تكون جميع ما ذكر.
وقد تبلورت خريطة الأيديولوجيات في القرن العشرين على النحو التالي: الليبرالية في وسط المشهد وعلى يمينها المحافظة، ثم القومية، ثم الفاشستية، وعلى يسار الليبرالية تأتي الاشتراكية ثم الشيوعية، ثم الفوضوية أو الأناركية. لكن تصعد اليوم مجموعة من الأيديولوجيات الجديدة مثل؛ النسوية والإيكولوجية والأصولية الدينية والتعددية الثقافية.
تمثل الليبرالية العمود الفقري للفلسفة السياسية للعصر الحديث، وهي مصدر الأيديولوجيات العلمانية على يمينها وعلى يسارها، وتلتزم الأيديولوجيا الليبرالية بمجموعة متميزة من القيم والمعتقدات؛ أهمها الفرد والحرية والعقل والعدالة والتسامح. ويفهم الليبراليون الديمقراطية بمصطلحات فردية كالرضا الذي تعكسه صناديق الانتخابات؛ حيث تساوي الديمقراطية بين جميع المواطنين، وبينما يعيق الديمقراطية إساءة استخدام السلطة، فإنّها ينبغي أن تمارس في إطار دستوري لمنع طغيان الأغلبية.
ويدعم المحافظون الحكم الديمقراطي الليبرالي لكن بشروط تتعلق بالحاجة لحماية الملكية والمؤسسات التقليدية من الإرادة غير المنضبطة للأغلبية، وقد ربط اليمين الجديد في الديمقراطية الانتخابية بين مشكلات الحكومة المهيمنة والركود الاقتصادي.
الاشتراكيون أيضاً يدعمون تقليدياً شكلاً من الديمقراطية الراديكالية، والتي تقوم على المشاركة الشعبية والرغبة في وضع الحياة الاقتصادية تحت الرقابة العامة، ويرفضون اعتبار الديمقراطية الليبرالية ببساطة ديمقراطية رأسمالية، ومع ذلك يشعر الديمقراطيون الاجتماعيون الجدد كما تطبق اليوم في الدول الاسكندنافية وكندا وكما يدعو إليها كلينتون وأوباما بالالتزام بصورة راسخة بالديمقراطية الليبرالية.
وبدأت منذ منتصف أواخر القرن العشرين وازدهرت في نهايته أفكار عن نهاية الأيديولوجيا أو ما بعد الأيديولوجيا أو الأيديولوجيات الجديدة مثل: العقلانية والطريق الثالث وما بعد الحداثة والتعددية الثقافية؛ والمستمدة من مرحلة ما بعد الصناعة، كما تصعد الحركات النسوية والبيئوية وتطور نفسها كمنظور أيديولوجي مستمد من المساواة التامة التي تكتسب فرصة واقعية في التطبيق مع صعود تكنولوجيا الحوسبة والاتصالات والشبكية.
ولعل الشبكية هي مفتاح تفسير الأزمة أو القلق الطافح في الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، فبقدر ما أنتجت من مساواة مكنت النسوية والخضر من تلمس طريق يبدو واضحا أو عمليا لأيديولوجيات سياسية جديدة؛ فإنها (الشبكية) تنشئ أيضا حالة من فقدان الثقة بالمنظومة السياسية القائمة ولكنها لم تنشئ بعد عالما واضحا وملموسا في حياة الأمم وأفكارها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock