أفكار ومواقف

إجراءات تجاوزتها الأحداث

لقد أخذ وباء كورونا العالم على حين غرة، فكانت ردة الفعل الأولية للدول بدائية في اتخاذ إجراءات صارمة ركزت على الإغلاقات الشاملة أو الجزئية، فعندما تكون المشكلة مستجدة فإن الخوف يقدم على الرجاء، والحرص على الإقدام، لكنه كان واضحاً منذ البداية أن هذه الإجراءات لن تعالج أصل العلة، ولن تصمد طويلا أمام أنات الاقتصاد وحاجات الناس الأساسية، ولكنها تعطينا بعضاً من الوقت لالتقاط الأنفاس واستيعاب الموضوع.
فهذه الإجراءات لم تكن من دون أعراض جانبية فاقت في خطورتها المرض نفسه في بعض الأحيان، لذلك بدأ العالم بالتخلي عنها تدريجياً لصالح إجراءات أكثر واقعية، وبعيداً عن وضع أهداف مستحيلة كالقضاء على الفيروس وتجفيف منابعه.
ولقد كان الأردن من أوائل الدول التي اعتمدت خيار الإغلاق الصارم للتصدي للوباء ومواجهة الفيروس، ولقد حقق هذا النهج نتائج ملموسة، لكنها كانت قصيرة الأمد، فلم تلبث الحقائق العلمية أن فرضت نفسها.
واليوم، وبعد مرور أشهر على مواجهتنا مع هذا الوباء، لا بد لنا من وقفة نراجع من خلالها بعض الإجراءات التي تجاوزتها الأحداث، فلا يمكن أن نستمر في إدخال جميع المرضى بغض النظر عن أعراضهم الطبية إلى المستشفيات في بلد يعاني قطاعه الصحي العام من ازدحام المرافق، وقلة عدد الأسرّة مقارنة بالطلب المتزايد عليها، كما لا يمكننا أن نستمر بحجر المخالطين في الفنادق لكلفتها الباهظة، التي لا تطيقها حتى الدول الغنية، أو أن نستمر في عزل بنايات وأحياء برمتها نتيجة إصابة أحد قاطنيها بالفيروس؛ ناهيك عن عزل مدن بأكملها بسبب بضع عشرات من الإصابات بين سكانها، وكذلك يجب إعادة دراسة جدوى إجراء عشرات الآلاف من الفحوصات العشوائية، التي تزيد من العبء على القطاع الصحي، وتؤخر في ظهور نتائج الفحوصات لمصابين محتملين ومخالطين مؤكدين، فأنا لا أرى هذه الفحوصات العشوائية إلا بمثابة رصاصات في الظلام تُطلَق بالمئات وقد لا تصيب الهدف المرجو.
كما لا أرى حاجة ملحة للاستمرار في عقد المؤتمرات الصحفية التي أصبحت مملة وفقدت بريقها، بعدما كان الأردنيون يضبطون ساعاتهم في انتظارها؛ حيث إنها توحي للمتلقي باختصار مشاكلنا المزمنة والمؤجلة في جائحة كورونا، فليترك الأمر لأصحاب الاختصاص في لجان الأوبئة وأقسام الصحة العامة، وليتفرغ راسمو السياسات للمسائل الملحة، التي غابت طويلا عن أجنداتنا الصحية والاقتصادية فهذه لا تحتمل التأجيل أو التسويف.
لقد أيقن العالم اليوم أن هذا الفيروس ليس ضيفا عابراً، ولا حدثاً موسمياً؛ لذلك يتوجب التعامل معه باستراتيجية طويلة الأمد تُوازن بين ضرورات الصحة واحتياجات الحياة، بعيداً عن اللجوء إلى أقصى النهايات من الإجراءات المتخذة.

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock