أفكار ومواقف

إجهادان مُقعِدان..!

كأنما لم يكن ينقص إلا هذا؛ قدوم وباء عدواني فائق القدرة، من النوع الذي كنا نقرأ عنه في الكتب أو نشاهده في أفلام الخيال الجامحة. ولم يأت فيروس كورونا إلينا في وقت استرخاء نسبي، وإنما ليجلب مزيداً من التوتر والضغط فقط إلى مجتمعات تعاني مسبقاً ارتفاع الحرارة وضيق التنفس والتعب.
تنطبق على معظمنا أعراض ما يسمى في الأدبيات العالمية «إجهاد الأزمة». وعنه، يكتب الكاتب البريطاني صموئيل إيرل: «لطالما حذر منظرو الإعلام وعلماء النفس من «إجهاد الأزمة» في المجتمع: ذلك الإرهاق الذي يسببه تدفق سيل من الأحداث المأساوية في دورة الأخبار، والتي تجعل بعض الناس ينفصلون، وآخرين يغرقون في العدمية». وإذا كان إيرل يتحدث عن أحداث عامة بالنسبة لغيرنا، فإن المآسي في دورة الأخبار خبرة شخصية ويومية تقريباً للكثيرين في منطقتنا -إذا لم تكن حرباً في بلد المرء، فعند الجيران. وإذا لم تكن حرباً مباشرة، فأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية بلا حلول، يفاقهما دائماً توتر الإقليم الذي لا يهدأ.
تكتب أريانا غاليغير، المدير المساعد لبرنامج الإجهاد والصدمات والمرونة بجامعة ولاية أوهايو الأميركية: «في حين أن ‘إجهاد الأزمة» ليس تشخيصًا رسميًا، فإن آثاره حقيقية. يمكن أن يشعر الناس بالإرهاق الشديد لدرجة أنهم يصبحون غير متأكدين من كيفية المضي قدمًا. وعندما يعاني الناس إجهاد الأزمة، فمن الطبيعي أن يشعروا بمزيج من الإعياء، والغضب، والاشمئزاز، واليأس، والإحباط، وفرط اليقظة، والقلق والحزن».
تبدو هذه الأعراض مألوفة تماماً لدينا، ويعبر الناس عنها حيث يستطيعون في وسائل التواصل الاجتماعية. وقد أضافوا إلى أسباب الشكوى ضيقهم بالوباء الذي لا يعرف أحد كيفية إيقافه، أو إدارته، أو التنبؤ بمناوراته، أو تقدير نهايته وماهية الضرر الذي يمكن أن يجلبه. وهذا يعمق فحسب المتاعب الاقتصادية المقيمة والعلاقات المتوترة أصلاً بين الناس والحكومات. وهكذا، يضيف الوباء إلى «إجهاد الأزمة» المزمن لدينا مصدراً إضافياً للمعاناة: «الإجهاد الوبائي».
يكتب إيرل: «يغلب أن يجعل الإدراك الناشئ لقدوم موجة ثانية (من التفشي) وإغلاق آخر الأمور أكثر صعوبة من الناحية النفسية من الموجة الأولى. بالنسبة للكثيرين، كان الاعتقاد بأننا نعمل معًا للوصول إلى نقطة نهاية واضحة هو ما جعل الإجراءات المتطرفة المبكرة لمكافحة الفيروس مستساغة. وحتى في ذلك الحين، تضاعفت معدلات الاكتئاب المبلغ عنها بين البالغين في المملكة المتحدة. ولن يجعل مرورك بالخبرة من قبل المرة الثانية أسهل».
ويقتبس إيرل من مقال عن الإجهاد الوبائي نُشر في «الواشنطن بوست»: «من الصعب عندما تعتقد أن لديك ضوءً في النهاية الأخرى من النفق لتتطلع إليه، أن تدرك فجأة أنه مجرد قطار». وهو ما حدث، عندما اعتقدنا هنا أننا هزمنا الوباء وصنعنا «نموذجاً تتطلع إليه الدول» ليتبين أن الضوء كان وهماً. ومن الطبيعي أن تضيف الخيبة الجديدة إلى «إجهاد الأزمة» القديم والمزيد من انعدام اليقين، وحتّ الثقة في الإجراءات الحكومية. ويغلب أن تكون لهذا تداعيات مباشرة على مدى التزام الناس بتدابير السلامة الموصى بها. وإذا كان الناس يشعرون الآن بأنّهم يُتركون وحدهم لتدبر أمورهم مع الوباء، فإن أعراض «إجهاد الوباء» مرشحة للتفاقم، بطريقة تشبه انتحار اليائس.
تكتب الكندية ليندسي كلاين، المتخصصة في التعزيز الصحي: «يمكن أن يحدث ‘الإجهاد الوبائي’ عندما يتعب الناس من تدابير مكافحة الجائحة ويصبحون أقل احتمالاً لاتباع ممارسات الصحة العامة -أو ببساطة البدء في تجاهل تلك الرسائل. يمكن أن يتولد إحساس طبيعي بالإرهاق لأننا اضطررنا إلى الالتزام بإجراءات الصحة العامة هذه لفترة طويلة من الزمن. ويمكن أن تختلف أعراض الشعور بالإجهاد الوبائي من شخص لآخر، ولكن غالبًا ما تظهر كشعور بالقلق، وسرعة الانفعال، ونقص الحافز، وصعوبة التركيز على المهام. وقد تلاحظ أيضًا انسحابك من التواصل مع الآخرين، أو ظهور أعراض جسدية مثل تغييرات في عادات الأكل والنوم».
وهكذا، ثمة الآن إجهادان –إجهاد الأزمة وإجهاد الوباء- يصنعان «عاصفة كاملة» من التوتر والضغط على عصب المجتمع. وحسب المسارات الوبائية المقلقة، وربما اضطرار الناس إلى تحمل كلفة التعافي الهائلة التي لا تُحتمل في القطاع الخاص إذا أُجهدت المرافق الحكومية بكثرة الحالات، فإن تراكم الإجهادات سيكون سيئاً بطريقة يصعب تصورها.

انتخابات 2020
26 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock