أفكار ومواقف

إجهاض المقال في كل مقام

الإجهاض لغةً: يعني إسقاط الحامل حَمْلها، أي أنها ألقت الجنين أو أسقطه الطبيب (أو غيره) منها قبل الاكتمال. أما المعنى المجازي للإجهاض فهو الحؤول دون نجاح الشيء، أو القضاء عليه (المنجد في اللغة العربية المعاصرة، الطبعة الرابعة، 2013).
في عز الحديث أو الحوار أو النقاش مع زملاء أو مثقفين أو سياسيين، أو حتى أساتذة سياسة عرب، بشأن موضوع ما مثل تنظيم “داعش” وغيره من التنظيمات الإرهابية التي تفتك بالمسلمين وغير المسلمين باسم الإسلام، بطرق وأساليب تستفز أعمق أعاميق الإنسان الحساس -كتقطيع الأوصال من خلاف، أو الذبح، أو الحرق، أو الصلب، أو الرمي بالرصاص على يد الأطفال، لمن تعتبرهم كفاراً أو أعداءً أو خونة- وإذ بأحد الحضور أو بكثير منهم يجهضون الحديث أو النقاش أو الحوار باستدعاء موضوع مماثل تمت مناقشته أو إدانته في حينه أو يدان كلما أو عندما يطرح.
فعندما تنتقد قيام “داعش” بحرق الأسرى مثلاً، يستدعي أحدهم على الفور موضوع حرق إسرائيل للطفل محمد خضير أو الأميركيين للهنود الحمر… وبهذا الاستدعاء يتم إجهاض الحديث أو الحوار أو النقاش في الموضوع الأصلي، وجعل ما يقوم به “داعش” (هنا) وأشكاله مُبَرراً، ويكشف بالوقت نفسه عن تأييد خفي لجرائم التنظيم من المستدعي، وإدانة ضمنياً لشاجبها منه.
تقول له أو لهم: يا أخي، يا إخوان: عندما يكون الموضوع المطروح حرق إسرائيل لمحمد خضير فإن حديثنا أو حوارنا أو مناقشتنا تنصب على هذه الجريمة الفظيعة، وعلى ضرورة معاقبة إسرائيل عليها، ولا نستدعي موضوع “داعش” في حرق الأسرى لنبرر جريمة إسرائيل.
وعندما يكون الحديث عن الهنود الحمر، فإننا ندين أميركا عليه، ونلعنها ونشتمها. لكن موضوعنا الآن هو “داعش” أو الحشد الشعبي أو غرق المهاجرين في البحر وهكذا. ألسنا أصحاب مقولة: لكل مقام مقال؟ إننا بهذا الاستدعاء الخارج عن الموضوع نجهض المقال في كل مقام، ونبارك فظائع أو جرائم موضوع الحديث أو الحوار أو النقاش، مثل “داعش” أو “بوكو حرام” وغيرهما.
وعندما يكون موضوع الحديث هو التحول الأوروبي نحو الحرية والديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان لدرجة استقبال اللاجئين والمهاجرين المسلمين (ومعظمهم عرب)، يسحب أحد الحضور أو بعضهم من التاريخ موضوع الحروب الصليبية ليدين أوروبا، وينكر حُسنَ استقبالها ورعايتها للاجئين والمهاجرين. وبذلك يجهض الحديث.
نقول لهذا المجهِض: عندما تكون الحروب الصليبية هي موضوع الحديث، فإننا لا نقصر في إدانة أوروبا آنذاك، ولا نترك نقيصة إلا وألصقناها بها. لكننا نتحدث الآن عن موضوع اللاجئين والمهاجرين المسلمين إلى أوروبا واستقبالها لهم. لقد أنقذتهم من غرق وأطعمتهم من جوع وآمنتهم من خوف، وقدمت لهم المآوى والتعليم والعمل، فهل أنت وأمثالك مستعدون للقيام بمثل ذلك نحوهم الآن؟
لماذا “نطخ” دائماً على الغير ونبرئ أنفسنا؟ ألم نستولِ بحجة الفتح أو الجهاد على ما كان للإمبراطورية الرومانية من بلدان في آسيا وشمال أفريقيا؟ ألم نحتل إسبانيا وجنوب أوروبا؟ ألم يتحالف الخليفة العباسي هارون الرشيد مع شارلمان ملك الفرنجة، ضد الأمويين في الأندلس؟ ألم نحتل القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية المقدسة؟ ألم يفتك جنودنا المسلمون العثمانيون بشعوب البلقان؟ ألم يأخذوا الأطفال من أحضان أمهاتهم ويجعلوهم جيشاً إنكشارياً؟ فلماذا ننظر إلى التاريخ أو الأحداث بعين واحدة؟ فلمثل ما لنا عليهم، لهم مثله علينا، فلماذا نضع التاريخ الذي انتهى وقته ودوره (عندهم على الأقل) على الطاولة في كل مرة؟ إنهم يستطيعون إجهاض حديثنا أو حوارنا معهم بوضع تاريخنا على الطاولة أيضاً.

تعليق واحد

  1. "وكان الإنسان اكثر شيئ جدلا"
    اختصر في ظل ظلامية مايجري من حرب مصالح قذرة وغياب المعلومة والحقائق عن هذا وذاك وكل يغني ويطابق المثلثات وفق مصالحه ناهيك عن حرية الراي وما انتابه من تأويلات فورية ورهبة من الآثار والقوانين الرادعة؟بمعنى ما اسلفت اليه ان خالفت عبيد فأنت مع سعيد والعكس؟؟ اضف الى ذلك عدم التفريق بين العمل وفلسفة العمل مما يحدث خلل مابين المتحدث والمتلقي وينشأ الإختلاف الحاد مما يفقد الحديث او الجدل جدواه واو اجهاضه (فشل العقد مابين المتحاورين) وهنا نعود على مقدرة اي من الطرفين على الولوج ل ايصال وجهة نظره من خلال معادلة العقد (الطفولة-الشباب- الشيخوخة) ولكل مرحلة اسلوب وفق المرحلة العمرية والخبرة حتى يتم العقد دون حدوث اجهاض او صدام؟؟ والحالة من عدم الإستقرار ناهيك الخشية في الوقوع في اتون حرب المصالح القذرة التي استراتجيتها خلط الأوراق لزيادة العديد واللهيب يستحسن الإبتعاد عن الجدل المثير ؟ ويحضرني النكتة يا استاذ عايش عندما سؤل احد الشراكس لماذا لاترد السلام وكانت اجابته دليل على الحالة التي تتسأل "سلام بجيب كلام وكلام بجيب اكل بطيخ"ولاننسى استشراف شفيع الأمة وامينها الصادق صلوات الله عليه وتسليمه وكأنه يقرأ الحالة التي تحرق المنطقة وآثار الفتاوي والجدل وتزاحم الأراء واختلافتها عندما نصح بالإعتكاف والتدبر بكتاب الله مريح النفوس والقلوب ودرء للنتائج من الجدل والى ماتقود اليه من تشتيت الأمة وبعثرة المبعثر؟؟

  2. نعم نعم وألف نعم
    الجهل وغياب الوعي بالقيم الانسانية وتحيزنا للمعلومات التي نمتلكهانحفقط ونشأنا عليها بانحن فقط بغض النظر عن قيمتها هما العائق الرهيب الذي يمنعنا من تأمل آراء الآخر لنقفز فوراً لما يؤرقنا في الهجوم وبدون تروي أو تفكير .. نظريات المؤامرة والتي قد يكون بعضها صحيحاً اصبحت المبرر لرفض القبول او الاطلاع على وجهات النظر الأخرى .. الفقر الفكري المدقع الذي نعاني منه وغياب الكتاب الواعين المبدعين سبب رئيسي من اسباب التخلف .. هذا المقال فيه نظرة ثاقبة وكشف لعورة فاضحة في ثقافتنا المسطحة السطحية … قال تعالي: إقرأ بإسم ربك الذي خلق .. وللأسف فإننا قررنا أن لا نقرأ ..لن نقرأ .. لماذ نقرأ وكل واحد منا كنز معلومات وفكر .. غياب الفن الحقيقي وغياب المسرح الذي يعرى ويسخر من الجهل من الأسباب لهذه الحالة المحزنة من الجهل .

  3. مهاراجتماعية
    المشكلة تكمن في فقر المهارات الفكرية والاجتماعية وعدم القدرة على إدراك متعة الحديث والنقاش المنفتح الذي يؤدي لفكر جديد وتحليل أكثر عمقاً وشمولاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock