أفكار ومواقف

إحلال المستوردات أم تشجيع الصادرات كإستراتيجيات للتنمية؟!

لجأت البلدان النامية الى استخدام استراتيجيتي احلال المستوردات وتشجيع الصادرات ولكن بشكل منفصل لتحقيق التنمية والتصنيع. الأولى هي وجهة النظر المبنية على فكرة تطوير الصناعات الناشئة المحلية حتى تصبح منافسة في الأسواق الدولية. وبالمقارنة ، فإن الاستراتيجية التطلعية إلى الخارج تشجع على تخصيص الموارد الوطنية لتصدير الصناعات الوطنية للاسواق الخارجية مع تجنب تشوهات الأسعار.
ما قادني للحديث عن هاتين الاستراتيجيتين هو أداء صادراتنا الوطنية خلال الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام المشؤوم. فقد سجلت صادراتنا الوطنية أداءً يفوق التوقعات ويتجاوز الازمات الاقليمية والاغلاقات بكافة أشكالها بما فيها اغلاقات الحدود لأسباب أمنية وسياسية اقليمية ولأسباب اغلاقات جائحة كورونا. وهذا الانجاز يسجل للأردن وللمنتجات الاردنية وللمُصنع والمُنتج الاردني. حيث تشير البيانات الى أن الصادرات الاردنية قد حافظت على مستوياتها في نهاية العام 2019 وخلال الثمانية أشهر الاولى من هذا العام ولم تتراجع الا بنسبة 0.1 % فقط. وبالمقابل تراجعت المستوردات بنسبة 15.3 % خلال نفس الفترة من هذا العام.
إن المراجع للتركيب السلعي للصادرات وللمستوردات يلاحظ أن هنالك تركزا في التركيبة السلعية للصادرات في عدد محدود من السلع مثل المواد الخام كالفوسفات والبوتاس وتشكل حوالي 14 % ، والملابس 27.7 %، والمواد الكيماوية 25.3 % ، والمنتجات الدوائية والصيدلية وتشكل حوالي 9 %، ومواد غذائية وحيوانات حية 13.4 %، من اجمالي الصادرات. وهذه بمجملها تشكل أكثر من 80 % من اجمالي الصادرات. واذا نظرنا الى التوزيع الجغرافي للصادرات الوطنية نجد أننا نصدر لأكثر من 140 دولة ولكن هناك أيضا تركز في الأسواق التصديرية، حيث تستحوذ 14 دولة على أكثر من 85 % من اجمالي صادراتنا الوطنية. وهذا يدخلنا في مخاطر الاغلاق ومخاطر السياسة والامن في حالة حصلت أزمات في المنطقة والاقاليم التي نصدر لها، وهذا ما حصل فعلاً في العقد الاخير. ومن هنا تأتي أهمية اللجوء الى سياسة احلال المستوردات من جديد لتحقيق هدف الامن الغذائي والصحي وأمن الطاقة وبالتالي الاعتماد على الذات وتحقيق المزيد من الاستقلالية.
والخلاصة التي يمكن الخروج بها من هذا التحليل البسيط والسريع وبالنظر الى التركيب السلعي للمستوردات ان هناك مساحة كبيرة وواسعة ومتوفرة لإمكانية إنتاج المزيد من الحيوانات الحية من خلال التوسع في انشاء المزارع على أطراف السدود والحفائر المائية التي نحتاج المزيد منها أيضا. والتوسع والتنويع في انتاج الخضراوات والفواكه الغنية وإحلال المستورد منها. كما أن هناك إمكانية كبيرة لإحلال الطاقة التقليدية بالطاقة المتجددة من الرياح والشمس وحتى الصخر الزيتي لما يتمتع به الأردن من مخزون تنافسي على مستوى العالم، على أن ينعكس ذلك على كلف الانتاج وأسعار المستهلك وبالتالي تمكين المنتج الأردني من المنافسة السعرية والنوعية في الاسواق العالمية. كما أن هناك مساحة واسعة للتوسع في انتاج المنتجات الدوائية والصيدلية حيث إننا نستورد بحوالي 450 مليون دينار سنوي. باعتقادي أن كل سلعة موجودة على سلة الاستيراد هي فرصة متاحة أمام المستثمر الاردني وغير الاردني لإنتاجها محليا لتلبية السوق المحلي أولا ومن ثم لتصديرها للاسواق الخارجية ثانياً. مثال آخر هو الملابس، حيث إننا ما نزال نستورد بما قيمته 300 مليون دينار سنويا من الخارج، علما أننا نصدر ملابس بمواصفات عالمية بأكثر من 1400 مليون دينار سنويا للسوق الأميركي وحده. وهذا يعني أنه بإمكاننا انتاج بقية احتياجاتنا من الملابس في المناطق الصناعية للسوق المحلي لنوفر قيمة فاتورة الاستيراد من الملابس.
المنتج المحلي لغرض إحلال المستوردات أولا ولغرض التصدير ثانياً يعني تحقيق معدلات نمو مرتفعة وتوفير صافي اثمان السلع المستوردة بالعملات الاجنبية بعد طرح المواد الاولية المستوردة. والأهم يعني امكانية تشغيل الأردنيين وخصوصا ان من أكبر المعضلات التي تواجه الاقتصاد الاردني الآن هي ارتفاع معدلات البطالة لمستويات غير مسبوقة.
فهل ستكون جائحة كورونا والازمات الاقليمية سببا ودافعا قوياً للتوجه أكثر لسياسة احلال المستوردات والتي ستقودنا تلقائيا لتشجيع الصادرات، نأمل ذلك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock