أفكار ومواقفرأي اقتصادي

إحياء مجلس التعاون العربي بصبغة جديدة

حينما خرج مجلس التعاون العربي بين الأردن والعراق ومصر واليمن في بداية العام 1989، شكَّل بارقة أمل في التحوُّل نحو عمل عربي اقتصادي مشترك.
بيد أنَّ مجلس التعاون العربي عصفت به الأوضاع السياسية بعد غزو العراق للكويت، وانتهى سريرياً في الربع الأخير من العام 1990، ثمَّ شُيّع رسمياً قبل نهاية العام 1992.
في الظروف الآنية التي توحي بأزمة اقتصادية عالمية قريبة، وفي غمرة البحث عن صيغ لتقوية الكيان الاقتصادي العربي، وفي ظلِّ الحاجة الماسة لدول مثل الأردن، ولبنان، وسورية، العراق، وفلسطين، إلى صيغة مناسبة للنمو الحقيقي، ولتحقيق مستويات تنمية مستدامة ومناسبة.
وفي خضِّم الحاجة إلى إعادة البناء والخروج من أزمات طاحنة في العراق وسورية، تلك الأزمات التي ألقت بثقلٍ كبيرٍ ملموسٍ على كاهل الاقتصاد الأردني واللبناني، فإنَّ النزوع إلى إعادة إحياء صيغة التعاون الاقتصادي عبر مجلس اقتصادي عربي مشترك هي أفضل الصيغ اليوم لمواجهة إرهاصات أزمة عالمية قادمة من الغرب، ولمواجهة أو للتعامل مع شهية عالمية كبيرة في اقتناص الفرص من إعادة البناء في العراق وسورية، قادمة بشكل أساس من روسيا وإيران.
إنَّ إحياء مبادرة مجلس التعاون العربي، بصيغة تعاونية جديدة تشمل منطقة الهلال الخصيب، يشكِّل فرصة، وقوة، وتحقيق اختراق اقتصادي محلي، وإقليمي، وعالمي.
فدول الهلال الخصيب تكتنز من الطاقات والموارد والإمكانات المادية والبشرية ما يجعلها الأكثر كفاءة على تكوين جسد اقتصادي قوي ومتين.. جسد تتواصل أرجاؤه بشرايين من الموارد البشرية المميزة والمؤهلة والمدربة، والموارد الطبيعية التي لا يتوافر مثيلها لأيٍّ في المنطقة أو على المستوى العالمي، وإمكانات إبداعية وابتكارية في جيل الشباب، يشهد لها الجميع.
في المنظومة الأساسية للمجلس المقترح، هناك العراق بإمكاناته ومكوِّناته وموارده المتعددة، وهو يكتنز نحو 10 % من احتياطي النفط العالمي، وهو مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة، والإمكانات الصناعية والزراعية واللوجستية.
وهناك سورية، بأراضيها الخصبة، وإمكاناتها السياحية، واللوجستية، وروابطها مع أوروبا، وإمكاناتها الصناعية والزراعية ذات الميز النسبية والتنافسية، وهناك لبنان، بمناطقه السياحية، وإمكاناته الزراعية، وموارده الطبيعية، وطاقاته البشرية، وهناك فلسطين، بما تكتنزه من بعد زراعي، وسياحي، وموارد بشرية مؤهلة، وختاماً، هناك الأردن بإمكاناته من المواد الخام، وخاصة الفوسفات والبوتاس والإسمنت والسليكا، وإمكاناته الكبيرة في الزراعة، وفي السياحة، وفي الطاقات البشرية المؤهلة والمدربة المتميزة.
منظمومة مجلس التعاون العربي بشكلها المقترح هي اقتصادٌ متكامل الموارد والإمكانات، وأكاد أجزم بأنَّ أيَّ صناعة عالمية مهما كان مستوى التعقيد الفني أو التقني في إنتاجها، ومهما كانت احتياجاتها من المواد الخام، أو الطاقة، أو الموارد البشرية، فستجد في هذه المنطقة إمكانات إقامتها بكلف نسبية مناسبة ومنافسة، وتنافسية تصنيعية ومعيارية ذات تميز عالٍ، وسوق كبيرة.
العمل على إعادة إحياء مجلس للتعاون العربي فريضة مهمّة لعدة أسباب، الأول والأهم، استيعاب الطاقات الشابة في الدولة المذكورة، وهي تشكِّل نحو 60 % من السكان، إلا أنها طاقات تشكو اليوم من البطالة بنسب تصل إلى نحو 30 %، وهي الوقود الرئيس للاستقطاب بأشكاله المختلفة.
والسبب الثاني، أنَّ المنطقة بحد ذاتها سوق لنحو 70 مليون مستهلك محلي، وما يربو على 350 مليون مستهلك إقليمي.
والسبب الثالث، أنَّ دول هذه المنطقة تشكِّل تكاملية اقتصادية من حيث الموارد البشرية والطبيعية. ولعلَّ السبب الأخير يكمن في أنَّ أبناء المنطقة هم أكثر شعوب المنطقة هجرة وتهجيراً وانتشاراً في بقاع الأرض، وهي ميزة، برغم أنها تشكِّل ظاهرة شتات وتشتُّت.
وميزتها أنَّ أبنائها في الشتات يرغبون دوماً في العودة، وفي خدمة أوطانهم، وفي الارتباط مرة أخرى بثقافتهم ومناطقهم، هم وأبناؤهم.
إحياءُ مجلس التعاون العربي حلمٌ نعم، ولكنه مخرجٌ مهمٌّ يمكن تحقيقه، فلعلَّ أصحاب القرار يلجؤون إليه لتحقيق الحلم العربي بتكامل اقتصادي، في ظلِّ استحالة توحيد السياسة والجغرافيا في المنطقة العربية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock