أفكار ومواقف

إدارة الأزمة والقطاع العام

إدارة أزمة كورونا أردنيا شكلت علامة فارقة في القدرة على الاستجابة لأزمة بحجم جائحة الكورونا بينما كان ملفتًا تخبط دول كبرى غنية ومتقدمة في التعاطي مع هذه الأزمة الصحية حيث سجلت إخفاقات كبيرة في ذلك.
بتقديري هناك ثلاثة عوامل رئيسة مهمة في إدارة الأزمة، وهي: مستوى ونوعية القطاع الصحي، ومعايير الحكومة أو قدرة الجهاز البيروقراطي على إدارة البلاد في ظرف أزمة، وثالثًا الرأسمال الاجتماعي، والتي من أهمها العلاقة بين المواطنين والدولة.
النظام الصحي الأردني وخاصة القطاع العام بشقيه العسكري والمدني يعتبر من أكثر الأنظمة تقدمًا في المنطقة والعالم إذا أخذنا الإنجازات التي حققتها تدريجيًا في المجال الصحي بالأردن، وهنا أترك القطاع الخاص بالرغم من تقدمه لغياب دوره في إدارة الأزمة الحالية أو الصحة العامة.
القطاع العام الصحي والذي تعرض على مدى سنوات للإهمال لا بل للهجوم من قبل أصحاب المصالح والليبراليين الاقتصاديين في محاولة لخصخصته أو تحويله لقطاع خاص أثبت هذا القطاع قدرته العالية على الاستجابة للأزمة وتوفير الاحتياجات الضرورية من مستشفيات وأطباء وكوادر طبية مساعدة وأجهزة، وأصبح أحد أسرار نجاح الأردن في التصدي لهذه الأزمة بكل كفاءة واقتدار، والذي يستحق كل التقدير والاحترام.
أما الشق الثاني من المعادلة فهو يرتبط بقدرة النظام البيروقراطي على إدارة البلاد في ظل ظروف أزمة وخاصة فيما يتعلق بالقدرة على العمل الجماعي والتكامل بين المؤسسات والتي مكنت الماكينة البيروقراطية من العمل بسلاسة نسبية. لا بد من الإشارة هنا إلى أن القطاع العام قبل الأزمة كان يعاني من الترهل وعدم الكفاءة الإدارية في بعض المستويات علاوة على ضعف سيادة القانون وقضايا الفساد الصغيرة والكبيرة والواسطة والمحسوبية.
لكن أداء القطاع العام في هذه الأزمة لا يشبه أداءه قبل الأزمة، ولم يكن ذلك ممكنًا بدون قيادة الملك الإستراتيجية والملهمة للأزمة منذ بدايتها ومتابعته لأدق تفاصيلها وتوجيهاته المستمرة في إدارة الأزمة من كافة جوانبها. أما العامل الثاني، فإن دخول الجيش وكافة الأجهزة الأمنية على الإدارة المباشرة للأزمة شكلت علامة فارقة في رفع سوية إدارة الأزمة بشكل عام، وخاصة بكل ما عرف عن المؤسسات العسكرية والأمنية من حرفية وانضباط ونزاهة وجزم في تطبيق القانون كان له الأمر الحاسم في الإدارة الناجحة للأزمة.
قيادة وتوجيهات الملك لادارة الأزمة وقيادة الجيش للأزمة كانا كفيلين بتميز إدارتها واستعادة الثقة الشعبية بالحكومة بمؤسساتها المختلفة والتي تشكل الركيزة الثالثة للنموذج الأردني في إدارة الأزمة والذي حظي بالتقدير العالمي الرسمي والشعبي على حد سواء.
لقد أثبتت التجربة الأردنية والعالمية أن القطاع العام هو الطرف القادر على إدارة الأزمة والحفاظ على مصالح الناس والمجتمع والدولة. هذه ليست دعوة ضد القطاع الخاص والذي يقف جنبًا إلى جنب في مواجهة هذه الجائحة العالمية ولكن من الناحية الإستراتيجية فإن القطاع الخاص محكوم دومًا بمصالحه ولا يمكن أن يقوم بالتصدي لهذا التحدي الذي نواجهه اليوم عالميًا ومحليًا.
هذه الأزمة والنجاح المتميز بإدارتها أعاد الاعتبار للقطاع العام ودوره في حماية المصلحة العامة ولا بد بعد انتهاء هذه الأزمة من إعادة النظر بدوره وضرورة دعمه ورفع كفاءته ليتمكن من مواجهة التحديات الاقتصادية لما بعد الأزمة والإدارة التنموية للبلاد.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock