أفكار ومواقف

إدانة “حماس” أم تكريس دولتها؟

يجد المستعرض لعناوين للصحف الأميركية والإسرائيلية الأساسية، بشأن القرار الأميركي في الجمعية العامة، حول حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، والذي لم يحظ بعدد أصوات كافٍ لإنجاحه، أنها تتراوح بين اعتبار ما حدث “عدم الحصول على تأييد كافٍ”، و”فشل”، و”ضربة” للسياسة الأميركية والإسرائيلية. في المقابل، يثير التصويت الخوف، نتيجة تصويت أغلبية الدول المصوتة، لصالح إدانة “حماس”، ولم يسقط القرار إلا لأنه يحتاج أغلبية الثلثين، ولكن السؤال الأهم ربما، الذي لم يطرح حقاً، وهو ربما أخطر ما في مشروع القرار، هو هل يجوز، أو ما معنى، أن يدان فريق فلسطيني؟ بمعنى لماذا لم تكن محاولة الإدانة للفلسطينيين ككل؟ لممثلهم الشرعي والوحيد؟ لماذا لم تستنفذ الفرصة للحديث عبر الممثل الشرعي؟ أخطر ما في القرار أنّه أنكر الكيانية لصالح تكريس التعامل العالمي، مع “حماس” ككيان، أو بحسب مصطلحات علم العلاقات الدولية، بصفتها “فواعل دولية”. هذا طبعاً ليس “حباً” أو تقبلاً لحماس، بل لأسباب سيلي ذكرها.
لقد صوّت للقرار، في يوم 6 ديسمبر (كانون أول)، أي في الذكرى السنوية لإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، 87 دولة، وعارضه 58، وامتنع عن التصويت، 32. وفيما وقفت منظمة التحرير الفلسطينية، ضد المشروع، واعتبر ممثل فلسطين في الأمم المتحدة، رياض منصور، مشروع القرار اعتداءً على الشعب الفلسطيني، ووضعه في سياق قرارات إدارة ترامب ضد الفلسطينيين، اعتبر الممثل الإسرائيلي، في المنظمة الدولية، داني دانون، مجرد نقاش الجمعية للقرار، مكسباً.
رغم أن القرار تضمن بنداً، يدعم “المصالحة الداخلية الفلسطينية، بما في ذلك دعم جهود الوساطة التي تقوم بها مصر”، وأنّ الأمم المتحدة، تدعم وجود “خُطى جدّية لتوحيد قطاع غزة مع الضفة الغربية تحت السلطة الفلسطينية، وشددت على دور فاعل للسلطة في قطاع غزة”، فإنّ في القرار مجموعة أهداف سياسية، بعضها يتحقق بغض النظر عن نتيجة التصويت، ويمكن الإشارة للأهداف التالية.
أولا، تم إهمال الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وللسلطة الفلسطينية التي انبثقت عنه، أي لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي هي العضو في الجمعية العامة، فلا يوجد عضو اسمه “السلطة الفلسطينية”، ولا يوجد عضو اسمه “حماس”. لم يتم مشاورة المنظمة، أو دولة فلسطين، أو حتى الرئاسة الفلسطينية، في القرار، وبالتالي القرار، والمشروع، يضربان فكرة وحدانية التمثيل، فهل من المعتاد إدانة أطراف داخلية في دولة ما؟ وحتى إذا قيل أنّ “حماس” سلطة الأمر الواقع في غزة، فهل أصبحت المشكلة مع هذه السلطة، هي فقط ما تقوم به إزاء الإسرائيليين؟ وهل أصبحت هذه طريقة لإبلاغ العالم، أن للفلسطينيين أكثر من عنوان، هي “السلطة” و”حماس”، مع تغييب المنظمة، ناهيك عن الدولة.
ثانيا، هناك ما قد يبدو تناقضا في القرار، هو أنّ المشروع في مقدمته، يثير موضوع الإرهاب، في نوع من التصنيف الضمني لحماس (وحركة الجهاد الإسلامي) بالإرهاب، وذلك عندما أشار المشروع إلى خطر “أفعال الأرهاب، وكذلك كل أنواع الاستفزاز، والتحريض، والتدمير”، ثم طلب ودعم إجراءات المصالحة في غزة، فهل يعني هذا قبول المصالحة مع الإرهاب، كما يُستدل من منطق مشروع القرار؟. الواقع أنّ هذا النص عن المصالحة، حتى وإن دعا للتوحد تحت ظل السلطة، هو نوع من الاعتراف بالحكم القائم في غزة، كأمر واقع، وبحماس كجزء من الكينونة الفلسطينية، مع أنّ الأصل عدم الإشارة لأي فصيل، مهما كان.
ثالثا، إنّ قرارا يدين الفلسطينيين عموماً، أو منظمة التحرير الفلسطينية، أمر صعب للغاية، ولكن ما يجري هو تسويق فكرة إدانة الفلسطينيين، عبر إدانة جزء منهم، وتمهيداً لأن تصبح إدانة الفلسطينيين مقبولة.
رابعا، إن هذاالقرار يتعامى ويسوق فكرة فك الارتباط بين حقيقة أن جزءا كبيرا من المتظاهرين في غزة، هم لاجئون من الأراضي التي تطلق الصواريخ والبلالين الحارقة عليها.  فلا أحد يريد أن يتذكر أن مشكلة اللاجئين، هي الأساس، قبل حتى احتلال الضفة وحصار غزة.
يتحمل الانقسام الفلسطيني، مسؤولية أساسية، في إتاحة الفرصة، أمام مثل هكذا خطط أميركية إسرائيلية، لضرب تمثيل الفلسطينيين ووسمهم بالإرهاب وإدانة مقاومتهم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock