أفكار ومواقف

إدوارد وصباح..!

شهد الأسبوعُ الماضي حدثين مهمين للمشهد الحضاري العربي: الذكرى السادسة والثمانين لميلاد المفكر الكبير إدوارد سعيد؛ ورحيل الفنان السوري العربي الكبير صباح فخري. وتستحق كل من القامتين الكبيرتين كتابة مجلدات. وفي الحقيقة، سجل الرجلان نفسيهما في وجدان العرب وذاكرتهم وتاريخهم، كل من موقعه وبطريقته.
ربما لا يعرف البعض القاسم المشترك الكبير بين إدوارد وصباح، غير كونهما عربيين متجذرين في الهوية: كونهما مشتغلين بالموسيقا. وكان إدوارد سعيد عازف بيانو ومؤسساً مشاركاً لفرقة أوركسترالية عالمية. وهو إلى ذلك ناقد موسيقي ثاقب الرؤية، كتب في الموسيقا ثلاثة كتب: «متتاليات موسيقية»، الذي صدر في العام 1991، و»المتشابهات والمتناقضات: استكشافات في الموسيقى والمجتمع»، الصادر في العام 2002، ثم كتابه الثالث والأخير في حياته «عن الأسلوب المتأخر.. موسيقى وأدب عكس التيار» الذي صدر في العام 2015 بعد رحيله.
وفي حين مارس إدوارد وتأمل في الموسيقا السيمفونية والأوبرالية، مارس صباح وتعمق في نظرية الموسيقا الشرقية، وصنع– أو أخرج إلى ضوء الشمس بقوة على الأقل- مدرسة محلية وذهب بها إلى الإقليمية والعالمية: الموشحات والقدود. ولم يكن تعامل صباح فخري مع الموسيقا مسطحاً على طريقة «فناني» اليوم، وإنما تعمق هو الآخر في التاريخ والنظرية والتطبيق بحيث كان مُنظِّراً عارفاً وممارساً موهوباً محترفاً. وبالإضافة إلى طبع مدرسته في الوجدان العربي، أثر عمله في أجيال من الموسيقيين والمطربين الذين انتموا إليها وواصلوا تراثها.
مثلما انتمى إدوارد إلى فلسطين العربية المحتلة، واعتبر التعبيرات الفنية، ومنها الموسيقا، من علامات تأكيد الهوية، انتمى صباح بوضوح إلى حلب وسورية والأمة العربية ووضع تراث مدينته وبلده في سجل الثقافة العربية. لكن الاختلاف بين الموسيقيَّين كان طغيان الاهتمامات الفكرية والانشغالات السياسية عند سعيد على الموسيقا، في حين اشتغل صباح بالغناء، التعبير الأبرز والأكثر وضوحاً ووصولاً إلى الجمهور. وعندما رحل سعيد، توجه الاهتمام إلى فقدانه كمدافع عن المهمشين وصاحب نظرية أدبية، بينما تركز الاهتمام في حالة فخري على منجزه العملي في مجال الموسيقا.
ومع ذلك، ربما كانت المسألة بالنسبة لسعيد مسألة صُدفة أو أقدار حين تراجع الموسيقي فيه لحساب المنظر الأدبي والسياسي. وتقول زوجته، السيد مريم سعيد إنه كان يريد أن يتخصص في الموسيقا. وتقول ابنته، نجلاء، في مقابلة حديثة عن شغفه بالموسيقا والفرقة السيمفونية التي أسسها مع صديقه قائد الأوركسترا المخضرم دانيال بارنبويم: «حتى أنه قال، في نهاية حياته، أن أعظم شيء فعله على الإطلاق هو (تأسيس) تلك الأوركسترا».
بشكل ما، التقى إدوارد وصباح في إضافتهما للتراث الموسيقي العالمي، ولو كروافد متمايزة تندغم أخيراً في محيط المشترك الإنساني، بقدر ما هي الموسيقا عنصر صافٍ وجامع وخيِّر في تكوين الإنسانية. وكانت إضافاتهما بطبيعتها جزءًا مهماً من إضافة العرب– مع قلة المهم مما نُنسب إضافته العرب أخيراً- إلى الحوار المستمر في الموسيقا وحولها. ولذلك لا ينتمي إنجازهما إلى منطقة الإنجاز الشخصي، بقدر ما هو شيء يستطيع كل عربي أن ينسبه إلى نفسه، مثلما يحتفي الغرب بإضافات أدورنوو وبافاروتي.
أخيراً، لا بد أن يثير استذكار عمل إدوارد وصباح نفس الفكرة عن الشح المطرد في الإنتاج المعرفي والأدبي والفني للأمة العربية والضبابية التي تكتنف هذا الإنتاج مرتبك الهوية. لذلك قال الكثيرون عن صباح: «رحل آخر عمالقة الفن الجميل»، وعن رحيل إدوارد شيئاً مشابهاً. ولا شك في أن عوز أمّة العرب المتزايد إلى الفن الجميل والفكر الجميل هو واحد من أبرز أعراض الاعتلال المتواصل والتيه المخيف اللذين نعاني منهما. وإذا كان الأمر قد وصل إلى حد العجز عن الإنتاج أو إنتاج سلعة رديئة يستهلكها أناس فقدوا ملَكة التمييز، فإن الحفاظ على ما قدمه إدوارد وصباح وعمالقة الفكر والإبداع سيعني على الأقل بقاء النقاط المضيئة التي يُمكن أن يستنير بها الساعون إلى قطع مسافة أخرى إيجابية وذات معنى في طريق إعادة تحديد الهوية الثقافية والحضارية للعرب، كأفراد وكأمة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock