صحافة عبرية

إزاحة نتنياهو: أمر ضروري لكنه لا يكفي

هآرتس

بقلم: عكيفا الدار

وزير الدفاع ورئيس الأركان السابق، موشيه يعلون، قال إن “التصعيد الأمني يخدم نتنياهو وحماس، لأسباب سياسية داخلية”. وبناء على ذلك دعا الليكودي السابق رؤساء “ائتلاف التغيير” إلى الإسراع في تشكيل حكومة جديدة. رئيس إسرائيل بيتنا، افيغدور ليبرمان، الذي جلس هو ايضا في نفس المكتب المهم في الكرياه أضاف بأن “هناك جهتين لهما مصلحة في هذه العملية: نتنياهو، الذي يعمل على افشال حكومة التغيير، وحماس”. وحسب قوله، “طالما التفويض يوجد لدى لبيد فان نتنياهو سيحاول إطالة العملية”.
عند فحص النتيجة السياسية فانهما على حق. الرابح الأكبر من الانتفاضة الثالثة هو المتهم رقم واحد، بنيامين نتنياهو. نفتالي بينيت انسحب من ائتلاف التغيير ويئير لبيد ابتعد عن رئاسة الحكومة. ولكن بمجهر يصعب علينا ايجاد فرق حقيقي بين مقاربة رجلي الأمن المذكورين أعلاه لجذور النزاع وطرق علاجه باستثناء قوة الذراع. الكارثة، معظم زملائهم في ائتلاف التغيير لا يقترحون أي تغيير في المقاربة.
عملية “حارس الأسوار” هي فصل عسكري بنكهة سياسية حادة، لكنها ليست أكثر من فصل في نزاع يتدحرج بدون نهاية، نزاع يخدم حكومات إسرائيل على مر أجيالها. في كتابهما المنير بعنوان “المنطقة المريحة لمجتمع في حالة نزاع”، الذي فيه قاما بتحليل العمليات النفسية والاجتماعية في المجتمع اليهودي في إسرائيل، يدعي البروفيسور دانييل بار – طال والبروفيسور عميرام رفيف بأن النزاع قد تحول إلى حاجة وجودية للقيادة. وحسب قولهما فان نزاعات عنيفة ومستمرة مثل النزاع بين اليهود والعرب في إسرائيل، هي أرض خصبة لنزع الشرعية ونزع الإنسانية عن العدو.
هما يذكران بأن رئيس الحكومة الاول، دافيد بن غوريون، قال في بداية الخمسينيات بأنه “يجب الحكم على العرب في إسرائيل حسب ما يمكن أن يفعلوه، وليس حسب ما فعلوا”. بهذا، هو صاغ الموقف الاساسي للدولة تجاه الاقلية العربية، وبعد ذلك تجاه الشعب الفلسطيني. مناحيم بيغن امتنع عن ذكر الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات باسمه، وسماه “الرجل الذي يوجد شعر على وجهه”. وعشية ذهابه الى مؤتمر السلام في مدريد في 1991 أعلن اسحق شمير بأن “البحر هو نفس البحر والعرب هم نفس العرب”. المقولة اللامعة لمحب السلام المعروف، اهود باراك، “إسرائيل هي فيلا في غابة”، هي طفرة من نفس التشخيص الشيطاني والشامل.
عالما النفس يؤكدان على أن اللقاء المبكر بين يهود، بالأساس من أصل أوروبي، وبين عرب من مواليد البلاد الذين عاشوا فيها، قدم شروطا سهلة من أجل خلق صور نمطية سلبية مثل البدائية وعدم الثقافة والوحشية. وكلما تعمق النزاع وأصبح أكثر عنفا، هكذا بدأ “العرب” ليكونوا ممثلين كمتعطشين للدماء وخارقين للقانون ورعاع وخونة ومتوحشين. لقد تم عرضهم كمن بادروا الى جميع النشاطات العنيفة ضد اليهود منذ بداية النزاع، التي هدفها الحصري كان قتل اليهود. المؤسسة السياسية والاعلامية سعت بشكل خاص الى التشهير بـ م.ت.ف. وقد سمتها “منظمة قتل”، وحتى قارنت الفلسطينيين بالنازيين. ولأن م.ت.ف تمثل الطموحات السياسية لمعظم الفلسطينيين فقد كان في ذلك نزع الشرعية عن الشعب الفلسطيني كله.
النزاع تم استغلاله على مدى السنين من أجل تطوير رواية متحيزة وحتى كاذبة، التي تقول بأن اليهود على استعداد لانهاء النزاع على الفور بالطرق السلمية. ولكن للاسف، هم يواجهون مرة تلو الأخرى بعدو متوحش يصمم على تدميرهم ويرفض أي حل للمصالحة. رئيسة الحكومة غولدا مئير أحسنت التعبير عن هذه الرؤية عندما قالت أحد الجمل الأكثر اقتباسا: “نحن على استعداد لأن نسامح العرب على قتل أطفالنا، لكننا غير مستعدين لمسامحتهم على اجبارنا على قتل أطفالهم. سيكون لنا سلام مع العرب فقط عندما يحبون أولادهم أكثر مما يكرهوننا”.
وقد قال الباحثان بأن المجتمع اليهودي في إسرائيل، مثل مجتمعات أخرى وجدت نفسها في صراعات مع شعوب أخرى، يرفض مواجهة المظالم التي تهدد بتقويض الهوية الشخصية والجماعية. هكذا الاتراك فيما يتعلق بمذبحة الأرمن والأميركيين بالنسبة لفيتنام والفرنسيين بالنسبة لما فعلوه في الجزائر والروس بخصوص ما فعلوه في الشيشان. هكذا ايضا معظم العرب لا يواجهون المظالم ضد اليهود.
من اجل تحديد منطقة الراحة والدفاع عن الجمهور من اقتحام مخربين للرواية المحببة عليهم، يقومون بفرض منع النشر لوثائق في الارشيف، من اجل منع الكشف عن وثائق حساسة يمكن أن تكون تحتوي على معلومات تناقض الرواية التي تدعم النزاع. قبل بضع سنوات تم سن قانون في الكنيست يفرض عقوبة على مؤسسات تعليم تقوم باحياء يوم النكبة. النزاع العنيف يخدم بشكل جيد ايضا السلطة في سعيها الى تقويض شرعية وموثوقية المنتقدين والخصوم السياسيين من الداخل. اسحق رابين عرض المحكمة العليا و”بتسيلم” كجهات تثقل على محاربة العنف. ويكفي لقب “يساري” من اجل تقويض مصداقية والثقة بولاء ناشط حقوقي أو مؤرخ يتجرأ على مخالفة الرواية السائدة التي تدعم النزاع. على سبيل المثال، وصف ليبرمان منظمات حقوق الانسان التي تعمل ضد الاحتلال بـ “عملاء للارهاب”، كل هدفهم اضعاف الجيش الإسرائيلي وتصميمه على الدفاع عن مواطني دولة إسرائيل. وحسب استطلاع اجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في 2017 فان 60 في المائة من اليهود في إسرائيل يوافقون جدا أو يوافقون على مقولة أن منظمات مثل منظمة “حقوق المواطن” و”بتسيلم” تلحق الضرر بالدولة.
إن بحث بار – طال ورفيف يظهر أن استخدام النزاع من أجل تشكيل رؤية الواقع وبناء الوعي الشخصي والجماعي يتم عن طريق السيطرة على مؤسسات رسمية وجمعيات خيرية لديها موارد ضخمة. وقد تخصصوا في تضخيم تهديدات حقيقية مثل العمليات الهجومية والمشروع النووي الايراني الى درجة ايصالها الى أبعاد الخطر الوجودي على الشعب اليهودي. اخطار وجودية تبرر المس بحرية التعبير، الرقابة والتمييز ضد ابناء الاقلية المتماهية مع الطرف المهدد. عندما تسقط صواريخ أو عندما يتفجر باص، من الذي يريد أن يسمع عن تنازلات جغرافية أو عن مشكلة اللاجئين؟.
مئات آلاف الإسرائيليين يهربون في هذه الأيام من أجل النجاة بحياتهم الى المناطق المحمية كي يجدوا ملاذا من صواريخ العدو من غزة أو من في الداخل. عند انتهاء أعمال الشغب سيعودون الى النوم في مناطق الراحة، وبعضهم سيعودون إلى ساحة المظاهرات في بلفور. إزاحة نتنياهو هي خطوة حيوية، لكنها لا تكفي. ولاحداث تغيير على شفا الجرف يجب التعامل مع نتنياهو وكأنه لا يوجد نزاع والتعامل مع النزاع وكأنه لا يوجد نتنياهو.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock