ترجمات

إساءة تأويل الإسلام في الغرب

فرانسيس غايلز* – (ميدل إيست أونلاين) 27/1/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

الخوف من الإسلام مشكلة لن تنتهي، ببساطة. وليس من السهل العثور على كلمة إيجابية عن الشرق الأوسط في الإعلام الغربي -وأقل من ذلك عن الإسلام.
نادراً ما تكون الأخبار عن المسلمين في وسائل الإعلام الغربية إيجابية. وفي بعض البلدان، والمملكة المتحدة بشكل خاص، لا يتلقى أي مجتمع آخر مثل هذه التغطية الصحفية السيئة. وهناك صحف محلية من أمثال “الديلي ميل”، و”الديلي إكسبرس” و”التايمز”، التي يمكن الاعتماد عليها في إهالة السخرية والازدراء على أي شيء إسلامي.
ولا يقتصر الأمر على تصوير الإسلام بأنه مناقض بنيوياً ومنهجياً للقيم الليبرالية وأنه يقف في تعارض مع الهويات البريطانية، أو الأميركية أو الفرنسية، وإنما يقوم الكثير من المفكرين المشهورين بنشر خطابات تقول إن الإسلام يكشف كله عن وحدة متراصة ولا يمكن تجزيؤه.
على اليسار، وخاصة في الولايات المتحدة، تقوم سلسلة منتقاة من كارهي الإسلام بعسكرة الإلحاد كأيديولوجية، ولا يكتفون بنزع المصداقية عن الأبعاد الروحية للإسلام فحسب، وإنما يقومون بشيطنته بطريقة لا تختلف عن المقاربات الاستشراقية القائمة منذ وقت طويل.
بالنسبة لهؤلاء الملحدين، فإن الإسلام غير مشروع لأنه دين. لكنه، على النقيض من الأديان الأخرى، ينطوي على التهديد بشكل خاص لأنه يتعارض -بطبيعته- مع القيم الليبرالية. وهم ينضمون إلى الأب الفكري لفوبيا الإسلام المعاصرة، المؤرخ بيرنارد لويس، في القول إن عقيدة الإسلام نفسها تصنع مشكلات وتقيم عقبات فريدة أمام ظهور حضارة عالمية.
تستطيع طائفة من اليسار الأميركي أن تطرح، من خلال برنامج “الوقت الحقيقي مع بيل ماهر”، الذي تبثه محطة كيبل “هوم بوكس أوفيس”، أن “العالم المسلم لديه الكثير مما هو مشترك مع داعش”، وأن “الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتصرف مثل المافيا، والذي سيقتلك إذا قلتَ الشيء الخطأ”. ولا شك في أن ربط 1.6 مليار شخص الذين يعتنقون الإسلام بشبكة إرهابية يلقى موافقة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويمكن الاعتماد على المفكر الفرنسي النافذ شعبياً، إيريك زيمور، في إساءة تمثيل أي أخبار تأتي من العالم المسلم، والأكثر أهمية بالنسبة للسياسة المحلية، ملايين الفرنسيين الذين هم مسلمون. وقد زعم زيمور ذات مرة بأن حمل اسم أول عربي في فرنسا يوحي بأن الشخص المعني يرفض الاندماج في المجتمع الفرنسي، متجاهلاً حقيقة أن واحداً من مكونات اسمه هو “مويس”.
عندما قال ترامب أثناء حملته الانتخابية قبل ثلاث سنوات أن سورية التي مزقتها الحرب “يمكن أن تكون داعش نفسه”، وأن “الإسلام يكرهنا”، فقد كان يرضي بذلك جمهوره من المحافظين. لكن كراهية الإسلام لدى معسكر الليبراليين أيضاً في ازدياد.
كما يستطيع صعود الشعبوية والقومية في أنحاء أوروبا أن يضيف فقط إلى نزعة رهاب الإسلام. وهما تحرضان على التخريب والعنف ضد المسلمين، ولذلك شهدت عمليات العنف التي استهدفت مسلمين زيادة بنسبة 56 في المائة في العام 2017، مقارنة بالعام 2016، وكانت ست من كل عشر من ضحايا هجمات جرائم الكراهية ضد المسلمين من النساء، بينما كان ثمانية من كل عشرة من الجناة من الرجال، كما تشير الإحصائيات الرسمية.
ثمة القليل من الشك في أن “بريكسيت” غذى هذا الصعود في فوبيا الإسلام، لكن الهجمات الإرهابية ساهمت في ذلك أيضاً، بما فيها التفجير الانتحاري الذي استهدف الحفلة في مانشيستر أرينا.
يقول تقرير صدر مؤخراً في الولايات المتحدة عن “رونيميد تراست” إن “الإشارة إلى الكراهية الموجهة للمسلمين فقط ربما يعيد الأمور ثانية إلى الواجهة. وعادة ما تتطور الاتجاهات المسيئة تجاه مجموعة معينة من أجل تبرير الحرمان الاقتصادي والسياسي الذي تعاني منه هذه المجموعة”.
لا شك في أن قول 37 في المائة من الناس في بريطانيا إنهم سيدعمون حزباً سياسياً يقوم بتقليل أعداد المسلمين في المملكة المتحدة، وإن نصف السكان المسلمين في بريطانيا يعيشون في الـ10 في المائة من المناطق الأكثر حرماناً في البلد، هي حقائق تقع تحت هذه المظلة الفضفاضة من كراهية الإسلام، والتي يجري تطبيعها في الكثير من أجزاء المجتمع البريطاني -وكذلك في المجتمعات الفرنسية والأميركية أيضاً، ويمتد استخدامها ليتجاوز قطاعات الأكاديميين والباحثين، ليشمل الشرطة، والإعلام والقادة السياسيين.
في العام 2011، قالت البارونة سعيدة وراسي، التي كانت في ذلك الحين الزعيمة المشاركة لحزب المحافظين، أن التعصب ضد المسلمين يصبح أكثر قبولاً باطراد في مجتمع النخبة. وفي العام 2016، تضمنت حملة زاك غولدسميث لمنصب عمدة لندن الزعم بأن لمنافسه على المنصب، صادق خان، صلات بالإرهابيين الإسلاميين. وقد تم انتخاب خان عمدة للمدينة مع ذلك. يبدو أن بث خطاب كراهية الإسلام لا يعمل دائماً.
يتفق الكثيرون مع الرئيس السابق لمجلس النواب الأميركي، نيوت غينغريتش، في قوله “إن الجهاديين الخفيين يستخدمون أدوات سياسية وثقافية واجتماعية ودينية وفكرية؛ ويستخدم الجهاديون العنيفون العنف، ويسعى الطرفان إلى استبدال الحضارة الغربية بفرض نسخة متطرفة من الشريعة الإسلامية”.
ويبدو أن رئيس الوزراء الفرنسي السابق، مانويل فالز، يشاركه كراهيته الشديدة للمسلمين/ العرب والإسلام. وفالز الآن هو أحد مرشحي اليمين للانتخابات البلدية لبرشلونة التي ستجرى في الربيع القادم، ويقول إن الشريعة تقود إلى “استرقاق النساء”.
تاريخياً، ليست الشريعة قانوناً بالمعنى الذي يفهمه الغرب، وإنما هي مجموعة من الإرشادات التي تستلهم القرآن، والتي توجه المسلمين نحو عيش حياة إسلامية. وهي ليست مناهضة للمرأة بشكل تمكن ملاحظته. ومع ذلك، تحولت الشريعة في عقول الأصوليين المتشددين إلى مجموعة من القواعد التي يجب تطبيقها هنا والآن، بما في ذلك أكثر أنواع العقاب وحشية.
تحب وسائل الإعلام القصص المثيرة -وليس فيما يتعلق بالإسلام فحسب- لكنها تفشل في إظهار أن تكتيكات عصابة كو كلوكس كلان ليست أكثر تمثيلاً للممارسة المسيحية الحقيقية مما تمثل أعمال داعش الوحشية الإسلام. وبذلك، لو قامت تلك البلدان التي يتم فيها رجم الزانيات بإلغاء هذه الممارسة، فإن ذلك سيحسن بالتأكيد فهم الإسلام في الغرب.
ثمة سبب آخر غالباً ما يتم تجاهله لنظرة الغرب السلبية إلى الإسلام، هي جهل الكثير من الأوروبيين والأميركيين المتعلمين بتاريخ الشرق الأوسط وآسيا، وليس أقله حياة مؤسس الدين، النبي محمد.
في كتاب صدر حديثاً بعنوان، “محمد، رسول السلام وسط صدام الإمبراطوريات”، يعكف خوان كول على استكشاف الخلفية التاريخية وطبيعة رسالة السلام، كما يراها، لمؤسس الدين التوحيدي الثالث.
يتحدى كول عناصر من التراث الإسلامي والتصويرات المعاصرة للإسلام المبكر. وهو يرى أن النبي محمد لم يكن أمياً. ويجادل بأن إلفة القرآن مع الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية، وكذلك مع الفكر اليوناني، مصحوبة بحقيقة أن النبي كان تاجراً يسافر إلى أماكن بعيدة، توحي كلها بأن النبي كان ضليعاً في اللغة العربية الكلاسيكية، والآرامية، وربما الإغريقية.
مثل هذه الكتب الأكاديمية عادة ما تقرؤها قلة قليلة من الناس على أمل تحقيق فهم أفضل للإسلام. وفي الأثناء، فإن اليد الثقيلة للرقيب في الكثير من أنحاء الشرق الأوسط تمنع الأكاديميين والصحفيين العرب والصحفيين من صياغة سرد ذكي مناقض عن الغرب.
سوف يكون العنصر الرئيسي الذي يقلل من حدة فوبيا الإسلام في الغرب هو انخفاض مظاهر العنف في الشرق الأوسط، لكن ذلك لا يبدو متوقعاً في أي وقت قريب.

*زميل مشارك في مركز برشلونة للشؤون الدولية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Misinterpreting Islam in the West

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock