تحليل إقتصادي

إستراتيجية التحول الرقمي 2020.. ضحلة ومنقوصة

فادي المجالي*

طرحت وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة مؤخراً، ” الإستراتيجية الأردنية للتحول الرقمي 2020″ ويبدو ان كل شيء في “2020” يمشي معكوسا ومخالفا للواقع، ، بل ان ما يؤلمك بمرارة ان تصدر مثل هذه الاستراتيجية من الأردن ذلك الوطن الذي زخر بعقول رقمية ادهشت العالم بأسره لا بل ان مصطلح “الحكومة الإلكترونية” أُنتج في الأردن وانتشر منها في تسعينيات القرن الماضي وزيادة على ذلك فان معظم أجهزة الحكومات الإلكترونية في دول الخليج العربي يشرف عليها وتديرها كفاءات أردنية.

رئيس جمعية سيدات ورجال الأعمال الأردنيين المغتربين فادي المجالي
رئيس جمعية سيدات ورجال الأعمال الأردنيين المغتربين فادي المجالي

عجت وسائل الإعلام بخبر طرح “الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي 2020” التي وصفت بانها رشيقة وتسعى لتحول رقمي متكامل وتمكين المجتمع الأردني رقميا وتسهيل حياة المواطنين بشكل غير مسبوق وتعزيز الابتكار وتقديم حلول شمولية لنقلنا إلى الطفرة الرقمية، مصطلحات “مرعبة” حقيقة اخذت خيالي بعيدا لدرجة انني وانا اتابع أعمالي من مكتبي وعبر هاتفي النقال حركت سيارتي الكهربائية لشحنها من المحطة واعادتها لموقفها!!

للأسف فإن الاستراتيجية جاءت صماء ومبهمة ومليئة بالحشو الانشائي وتكرار بمعظم محاورها لما أُنجز من قوانين ناظمة تدفع باتجاه التحول الرقمي كالجيل الخامس وإنترنت الاشياء والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وسلسة الكتل وغيرها.

لم تجب الاستراتيجية على أكثر الاسئلة بداهة في علم التخطيط الاستراتيجي، اين نحن الآن ؟ وما الهدف الذي نسعى للوصول اليه؟ وما هي الوسائل لبلوغ هذا الهدف؟ كما افتقرت الإستراتيجية لابجديات التخطيط الإستراتيجي فلم توضح المنهجية التي أُعدت من خلالها ولا حتى مراحلها وافتقدت لعنصر مهم جدا وهو تحليل البيئة الداخلية والخارجية (SWAT analysis ) والذي يشكل التصور الرئيس الذي تبنى عليه الاهداف المنشودة وادوات تنفيذها.

وبينما تُعلن الإستراتيجيات الرصينة عن أهداف محددة او ما باتت تعرف “بالاهداف الذكية” حيث يتم تحديد هدف عملي وكيفية تنفيذه والجهات المعنية بالتنفيذ واطار زمني للتنفيذ ومؤشرات لقياس الاداء والنجاح ( KPIs)، جاءت أهداف هذه الاستراتيجية عريضة وعامة ومكررة مثل رفع كفاءة الأداء الحكومي وتسخير البيانات ذات الجودة والموثوقية وتحفيز الابتكار وتمكين المجتمع الأردني رقميا دون تحديد مشاريع وشركاء لتحقيق هذه الأهداف واطار زمني ومؤشرات أداء ما جعل هذه الأهداف مجرد فرضيات وأهداف عامة تشترك كل دول العالم في آمال تحقيقها وتدخل في خانة الترويج الإعلامي لمشروع غير مكتمل الاركان ومحال التحقيق.

ان الحديث عن التحول لدولة رقمية يقتضي بالضرورة أهمية الحديث عن “الصناعة الرقمية” ووضعها على سُلم الأولويات بحيث تقودنا الصناعة الرقمية لعملية نقل سلس وسريع الى الثورة الصناعية الرابعة وهو الأمر الذي أُسقط تماما من حسابات هذه الإستراتيجية، فالتحول الرقمي لا يكون فقط بخدمات الدفع الإلكتروني وانجاز المعاملات إلكترونيا وانما بتدشين منشآت تجميع وتصنيع تكنولوجيا المعلومات وتطوير صناعة انتاج البرامج والأجهزة ونشر حاضنات الأعمال الرقمية في كافة ارجاء المملكة واستقطاب المستثمرين المحتملين في هذا المجال من كافة دول العالم.

ولم يكن الحال أفضل بالنسبة لـ “الزراعة الرقمية” التي اصبحت تشغل بال الكثير من الدول في محاولة لتعزيز الانتاجية من خلال الابتكار لمواجهة الطلب المتزايد على الغذاء وذلك بتنفيذ حلول رقمية زراعية كجدولة انظمة الري بالرش والتنقيط وتحسين انتاجية الأراضي ورفع كفائتها وتعزيز الزراعة في البيوت الزراعية الذكية لمضاعفة الانتاج وتعزيز دور المنصات الرقمية الزراعية في التشبيك بين المنتجين والمستهلكين وبين المنتجين والتجار.

للاسف هذه الحقيقة، اغفلت استراتيجيتنا الوطنية للتحول الرقمي 2020 اهم عنصرين في تحريك الاقتصاد ودعمه وتعزيز مكانته وخلق وظائف لوضع خطط بديلة لمواجهة أحد أبرز تهديدات التحول الرقمي وهو فقدان أعداد كبيرة من فرص العمل التقليدية.

اشارت الاستراتيجية لامكانية توفير بحدود ثلاثين ألف فرصة عمل لأردنيين ومن فرط التفاؤل اشارت الى ان فرص العمل تلك حيث سيحظى اللاجئون السوريون بنصيب منها وأهملت ما هو أهم من ذلك وهو الاستثمار في الأشخاص ذوي المواهب والمهارات الاستثنائية بوصفهم منتجين ومبتكرين للتكنولوجيا الرقمية حيث يعد الاستثمار في القدرات الرقمية لذوي المواهب هو “الاستراتيجية الأفضل للمستقبل” وإعادة تشكيل هذه الأصول المهمة من الشباب الذين يشكلون غالبية المجتمع الأردني وتحويلهم الى قوة انتاج ابتكاري وليس قوة بحث عن عمل، عوضاً عن الاستمرار بتكرار المحاولات اليائسة في ايجاد فرص عمل في الوقت الذي تشهد نسب البطالة فيه اضطراداً ملحوظاً. لم تتصف ” الإستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي 2020″ بالشمولية الواجبة والقادرة على نقل دولة مثل الأردن بما يحتويه المشهد والاقتصادي والاجتماعي من تعقيدات قد تعرقل عمل أي إستراتيجيات أو خطط، فهي لم تول اهتماما كافيا للمناطق النائية مثلا أو للأشخاص ذوي الهمم أو مخيمات اللاجئين.

إن الحديث عن إستراتيجية وطنية لتهيئة أي دولة للولوج إلى العصر الرقمي يستوجب ارساء معايير للثقافة الرقمية ونشرها لتحضير المجتمع ولتحفيز الابتكار وبناء الشراكات والتعاون المنتج بين القطاعات كافة.

لقد اجابت هذه الإستراتيجية الضحلة والتي افتقرت لفلسفة العمل الإستراتيجي بوضوح عن سبب التراجع القوي على مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية الصادر عن الأمم المتحدة 2020 حيث حل الأردن في المرتبة 117 من أصل 193 دولة على مستوى العالم لعام متراجعا 19 مرتبة عن الترتيب السابق الصادر في العام 2018، وحسب التقرير كان السبب في ذلك إلى التطور السريع لأداء الحكومة الإلكترونية في البلدان الأخرى، مشيرة إلى أن الأردن حصل على درجة أقل من الدول ذات الأداء الأفضل بنسبة 40 – 50 بالمائة تقريباً.

*رئيس جمعية سيدات ورجال الأعمال الأردنيين المغتربين

انتخابات 2020
19 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock