ترجمات

إسرائيل إلى انتخابات أخرى: معالم المعركة السياسية المقبلة

ديفيد ماكوفسكي* – (معهد واشنطن) 24/6/2022

بعد استقالة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، هل يتمكن الائتلاف الحاكم من إيجاد تشكيل أكثر قابلية للتطبيق؟ وما فرص رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو للعودة إلى السلطة؟

  • * *
    في الأيام المقبلة، يستعد الكنيست الإسرائيلي لاتخاذ خطوات من شأنها إطلاق الانتخابات الوطنية الخامسة التي تجري في البلاد في غضون ثلاث سنوات ونصف. ولمواجهة احتمال قيام البرلمانيين المترددين داخل الائتلاف الهش لرئيس الوزراء نفتالي بينيت بفرض إجراء انتخابات مبكرة على أي حال، سعى بينيت إلى استباق مثل هذه الخطوة من خلال المباشرة بترك المنصب وتسمية خلفه. وأعلن في 20 حزيران (يونيو)، أنه سيتنحى لصالح وزير الخارجية يائير لبيد. وأشاد الكثيرون بروح الزمالة التي يتمتع بها في نقل المسؤولية، وإبراز تركيزه على سياسة التوافق، وتوحيد التصريحات والبيانات خلال فترة عام واحد من ولايته التي اتسمت بإنجازات عديدة جديرة بالملاحظة.
    سيؤدي القرار إلى تحويل الائتلاف الأكثر تنوعاً من النواحي الإيديولوجية والإثنية والدينية في تاريخ إسرائيل إلى حكومة تصريف أعمال بقيادة لبيد -وستكون هذه أيضاً المرة الأولى منذ العام 2009 التي سيقود فيها الدولة شخص لا ينتمي إلى اليمين. وعلى الرغم من أن هذه الحكومة ستتمتع بسلطة تنفيذية كاملة، إلا أنها لن تكون قادرة على تمرير أي قوانين جديدة في الكنيست بمفردها. ومع ذلك، نظراً للصعوبة التي واجهتها إسرائيل في تشكيل الحكومات في السنوات الأخيرة، فقد يبقى لبيد زعيماً مؤقتاً لأشهر بعد موعد الانتخابات المتوقع عقدها في أوائل تشرين الثاني (نوفمبر).
    “حرب الخنادق” السياسية المقبلة
    رسمت أساساً خطوط المعركة في هذه الانتخابات، فزعيم “حزب الليكود” بنيامين نتنياهو مصمم على العودة إلى الحكم، وقد أظهر في استطلاعات الرأي أن جاذبيته العامة لم تتضاءل بسبب تيهه في صحراء السياسية لمدة عام. وعلاوة على ذلك، يتبع اليمين السياسي في إسرائيل تقليداً يتمثل في إجلال قادته والولاء لهم، حيث لم يدعم سوى أربعة من حاملي رايته منذ العام 1949: مناحيم بيغن، وإسحاق شامير، وأريئيل شارون، ونتنياهو، وهو رئيس الوزراء الأطول خدمة في البلاد.
    للأسف، لجأ نتنياهو وأنصاره إلى تكتيكات مثيرة للجدل للغاية من أجل تأمين تحقيق هدفهم المعلن المتمثل في إسقاط حكومة بينيت. فقد مورس ضغط هائل على النواب المترددين المتواجدين على أطراف الائتلاف، وشمل ذلك تنظيم مظاهرات خارج منازلهم والاستهزاء العلني بأولادهم. ومن المعروف أن نتنياهو نفسه اتصل بحاخامات محليين على أمل أن يضغطوا على عائلات هؤلاء السياسيين. كما ارتبط بشكل منافق مع أعضاء يساريين من المعارضة لمنع تمرير قوانين كان من شأنها أن تعود بالفائدة على المستوطنين اليهود في الضفة الغربية الذين لطالما تعهد بدعمهم -وهي مناورة أثبتت أنها القشة التي قصمت ظهر البعير لأحد أعضاء حزب بينيت، الذي أدى انشقاقه إلى استقالة رئيس الوزراء.
    والآن، يشير أعضاء ائتلاف المعارضة بقيادة “الليكود” إلى أنهم إذا فازوا بأغلبية 61 مقعداً في الكنيست المكون من 120 مقعداً -وهو الهدف الذي استعصى عليهم في الانتخابات الأربعة السابقة- فسوف يمررون تشريعاً لتحصين نتنياهو من محاكمته الجارية بتهم الفساد وتغيير معايير الاختيار لـ”المحكمة العليا الإسرائيلية”. ومن المرجح أن يضمن حدوث مثل هذه السيناريوهات تكاتف معظم الكتلة المناهضة لنتنياهو أو كلها في الدورة الانتخابية المقبلة، على اعتبار أن ذلك يشكل السبيل الوحيد لتجنب اهتراء المؤسسات الديمقراطية الأساسية.
    وبالنظر إلى نطاق هذا المأزق السياسي، ليس من المتوقع أن يتعرض أحد لأي ضربة قاضية. بدلاً من ذلك، من المرجح أن تنخرط الأطراف في المعادل السياسي لـ”حرب الخنادق”. وتشير استطلاعات الرأي حالياً إلى أنه إذا أجريت الانتخابات اليوم، فسيحصد المعسكر المؤيد لنتنياهو 59 مقعداً وسيذهب 55 مقعداً لمعارضيه، بينما ستكون المقاعد الستة المتبقية من نصيب “القائمة المشتركة” ذات الأغلبية العربية، التي من غير المرجح أن تنضم إلى أي من المعسكرين. وبناء على ذلك، سيبذل الكثير من الجهد لمحاولة زيادة نسبة المشاركة في الانتخابات، أو التأثير على جزء صغير نسبياً من الناخبين المعتدلين من أجل بلوغ 61 مقعداً.
    نتنياهو ضد لبيد
    أم عباس ضد بن غفير؟
    في أغلب الاحتمالات، ستفضل كلتا الكتلتين اتباع التكتيك نفسه في حملتيهما وهو: تحديد الشخصية الأكثر إثارة للجدل لدى الطرف الآخر وتصويرها كصانع ملوك، على أمل تخويف ما يكفي من المعتدلين لتغيير مواقفهم. ولا شك أن معسكر نتنياهو سيواصل نهجه الفعال المتمثل في التساؤل عما إذا كان ينبغي أن يكون حزب عربي إسرائيلي ذو توجه إسلامي -أي “القائمة العربية الموحدة” بقيادة منصور عباس، الذي عضو رئيسي في تحالف بينيت ولبيد- شريكاً كاملاً في أي حكومة. ولتحقيق هذه الغاية، سيسعى نتنياهو إلى ربط خصومه السياسيين بعباس، بينما يتهمه بالسعي سراً إلى تقويض الدولة. وغالباً ما نجح نتنياهو في الضرب على وتر أكبر مخاوف الناخبين.
    إلا أن هذه الاستراتيجية تنطوي على بعض المخاطر. فسيتذكر العديد من الناخبين أن نتنياهو نفسه استدرج عباس للانضمام إلى حكومته الأخيرة، وهي خطوة رفضها أعضاء متشددون في الائتلاف اليميني. وعلاوة على ذلك، أصبح عباس يتمتع بشعبية في إسرائيل بسبب سلوكه المرَضي وتعهداته العلنية الشجاعة بالامتناع عن تحدي الطابع اليهودي للدولة. كما أن الانتخابات السابقة أعطت درساً لنتنياهو بأن إثارة الخوف بشأن دور الإسرائيليين العرب يمكن أن يثير بسهولة ردود فعل عنيفة تزيد من نسبة الإقبال على الانتخابات في هذا المجتمع ضده.
    أما بالنسبة للكتلة المناهضة لنتنياهو، فمن المتوقع أن تركز اهتمامها على الشخصية اليمينية الأكثر استقطاباً، وهي إيتمار بن غفير، تلميذ مائير كاهانا، النائب سيئ السمعة الذي حرم من عضوية الكنيست في ثمانينيات القرن الماضي بسبب عنصريته الشرسة ضد العرب. ويتمثل أسلوب بن غفير في إقحام نفسه في شجارات عالية المستوى مع العرب وإعلان أنهم مجرد “ضيوف” في إسرائيل. وعلى الرغم من أن تكتيكاته تفزع معظم الناخبين، إلا أن ظاهرة جديدة تبرز في هذه الدورة الانتخابية الوشيكة، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أنه، وللمرة الأولى، لم يعد الشباب الذكور المتدينون، وخاصة أولئك الذين صوتوا سابقاً لحزب “شاس”، يستمعون إلى التوصيات السياسية التي يعطيها قادتهم الدينيون، وينجذبون بدلاً من ذلك إلى خطاب المواجهة الذي يعتمده بن غفير. وبعد أن كان هذا الفصيل ذات يوم كتلة متقلبة، أصبح الآن يأخذ منحى يمينياً متشدداً وينمو -بما في ذلك ديموغرافياً. والمدهش أن حزب بن غفير يحتل المركز الثالث في استطلاعات الرأي الحالية. ولذلك، سارع لبيد إلى التأكيد هذا الأسبوع أن التصويت لنتنياهو هو بمثابة تصويت لبن غفير، محذراً المواطنين من أن محرضي اليوم سيمسكون بزمام ميزان القوى -ووزارة رفيعة المستوى- في حكومة ضيقة للغاية.
    توسيع الكتلة المناهضة لنتنياهو أم مجرد إعادة ترتيب؟
    بينما أثبتت كتلة نتنياهو أنها متماسكة جداً، تكثر الأسئلة المتعلقة بمجموعتين قائمتين ضمن الكتلة المناهضة لنتنياهو. فمن الناحية النظرية، سيحظى العناصر اليمينيون المعتدلون في معسكر بينيت/لبيد بالفرصة الأفضل لاستمالة الناخبين بعيداً عن نتنياهو نظراً إلى قربهم الإيديولوجي. ولكن يبدو أنهم في حالة من الفوضى في الوقت الحالي. ويشير بينيت إلى أنه يريد قضاء بعض الوقت بعيداً عن السياسة بعد مرور عام صعب، ويبدو الآن أن جزءاً كبيراً من القاعدة التي صوتت لـ”حزب يمينا” الذي يتزعمه أصبح أكثر انسجاماً مع المعارضة.
    إذا انسحب بينيت، فسيبدو وزير العدل جدعون ساعر مناسباً لقيادة هذا المعسكر، بما أن أعضاء “حزب الأمل الجديد” الذي يرأسه انفصلوا عن “حزب الليكود”، وقد وصفوا مراراً وتكراراً بأنهم “محافظون يتمتعون بضمير حي”، وقاوموا بثبات مناشدتهم بالعودة. وفي الواقع، أثبتت المقاعد الستة التي فازوا بها العام الماضي أنها حاسمة في ترسيخ حكومة بينيت الناشئة. إلا أن استطلاعاً أجراه “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية” في أيار (مايو) رسم صورة لا توحي بالتفاؤل: ففي حين قال 60 في المائة من المستطلعين الذين صوتوا لصالح “حزب الأمل الجديد” إنهم راضون عن أداء الحزب، لم يقل سوى 18 في المائة إنهم سيصوتون له مرة أخرى. وعلى نحوٍ مماثل، أشار 36 في المائة فقط من المستطلعين المؤيدين لـ”حزب يمينا” إلى أنهم سيختارون حزب بينيت مجدداً. ويفترض أن العديد من هؤلاء الناخبين سيعودون إلى تأييد “حزب الليكود”، مما يفسر التقدم الذي أحرزه نتنياهو مؤخراً في نتائج استطلاعات الرأي. وإذا لم يتمكن اليمين المعتدل من عكس منحى هذا الشعور، فقد لا تحظى الكتلة المناهضة لنتنياهو بأي سبيل يقودها إلى النصر.
    ومع ذلك، يمكن أن يعطي منصور عباس و”القائمة العربية الموحدة” سبباً إضافياً يحيي الأمل في صفوف الائتلاف. فوفقاً للاستطلاع المذكور أعلاه، فإن ما يقدر بنحو 66 في المائة من ناخبيه راضون عن أدائه (لا سيما الزيادة التي قادها في دعم الميزانية للمجتمعات العربية والبدو)، ويخطط 77 في المائة للتصويت للحزب مجدداً، مقارنةً بـ58 في المائة من بين مؤيدي “القائمة المشتركة”. وعلاوة على ذلك، فازت “القائمة العربية الموحدة” بأربعة مقاعد في الانتخابات الأخيرة عندما لم تتجاوز نسبة العرب المشاركين 45 في المائة -أي أقل بـ20 نقطة كاملة من الجولة السابقة. لذلك يراهن عباس على أن مجموع مقاعده سيرتفع بشكل ملحوظ إذا زاد الإقبال العربي؛ وقد يحظى أيضاً بتأييد الناخبين اليهود الذين يقدرون دعمه للطابع اليهودي الذي تتسم به الدولة.
    ومع ذلك، سيحتاج عباس إلى معرفة كيفية التغلب على التحدي الذي نشأ في الانتخابات الأخيرة -أي عندما قام فصيلان عربيان متنافسان بشن حملة انتخابية ضد بعضهما بعضا (“القائمة العربية الموحدة” ضد “القائمة المشتركة”)، بقي العديد من الناخبين العرب في منازلهم بسبب عدم رضاهم عن غياب الوحدة. والتحدي الآخر هو وفاة سعيد الخرومي، الذي كان يشكل رابطاً برلمانياً رئيسياً بين “القائمة العربية الموحدة” وبدو النقب الذين قدموا للحزب ما يقرب من 30 في المائة من أصواتهم. وفي غضون ذلك، يعمد مازن غنايم، وهو نائب ينتمي إلى ائتلاف “القائمة العربية الموحدة” وكان يتمتع بقاعدة عربية قوية في البلديات، إلى ترك الحياة السياسية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما إذا كان عباس قادراً على استبدال هذه الشخصيات بأشخاص يشاركونه رؤيته المتمثلة في التركيز على الخدمات الحكومية بدلاً من تحدي طابع الدولة. وقد يبحث أيضاً عن مرشحين يمثلون جيلاً أصغر من الإسرائيليين العرب؛ فوفقاً لاستطلاعات الرأي، هناك حماسة أكبر لدى هذه الفئة الديموغرافية للاندماج في المجتمع الإسرائيلي.

*ديفيد ماكوفسكي: زميل “زيغلر” المميز في “مشروع كوريت” التابع لمعهد واشنطن حول “العلاقات العربية الإسرائيلية” ومنتج برنامج البث الصوتي “نقاط القرار”.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock