صحافة عبرية

إسرائيل تتخلى عن عملائها

يديعوت أحرنوت


روني شكيد


“اذا حاول الهرب، فأفرغوا باغة رصاص في رجليه”، قال الضابط الإسرائيلي لرجال الأمن الفلسطينيين عندما سلمهم أحد سكان مناطق السلطة الفلسطينية. إن زكريا (الاسم الكامل محفوظ عند أسرة التحرير)، المتهم بالتعاون مع إسرائيل، هرب إلى داخل الخط الأخضر بعد أن طلب جهاز الأمن الداخلي الفلسطيني اعتقاله. وكان على ثقة من أنه سيحصل هنا (في إسرائيل) على المساعدة التي يحتاجها. ولكن الكلمات التي قالها الضابط الإسرائيلي ما تزال تدوي في رأسه، ولا يصدق أن إسرائيل خاصة هي التي خانته. “اسودت الدنيا في عيني”، يقول زكريا بغضب. “لم أصدق ان يحدث هذا لي”.


إن التعاون الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية هو الآن في ذروة غير مسبوقة منذ العام 1994. وبرغم ذلك، فإن تسليم المتعاونين والمطلوبين هو المرفوض الواضح في الحرب المشتركة في محاربة الجهتين المشتركة لحماس. إذ تمتنع السلطة الفلسطينية على الدوام عن تسليم إسرائيل مشتبها فيهم بأعمال إرهابية، حتى عندما تنقل إسرائيل طلبات رسمية لذلك.


وفي الجيش الإسرائيلي أيضا لم يعتادوا بشكل عام تسليم الفلسطينيين مشتبها فيهم بجنايات أمنية ضد السلطة الفلسطينية، ومن المؤكد ألا يحصل ذلك لمن اشتبه في أنه تعاون مع إسرائيل. لكن حالة زكريا أخلت بأمن المتعاونين وقناعتهم بأن إسرائيل ستساعدهم وتمنحهم الحماية في حالة طاردتهم قوى الأمن الفلسطينية.


كان واضحا لكل فلسطيني اشتبه في أنه تعاون مع إسرائيل، حتى تسليم زكريا أنه إذا طارده جهاز الأمن العام الفلسطيني فسيحصل على مساعدة وحماية من إسرائيل. كذلك علم سكان المناطق الذين لم يتعاونوا مع إسرائيل لكن اشتبه فيهم جهاز الأمن العام الفلسطيني بأنهم كذلك، علموا بأنهم سيجدون أذنا صاغية داخل الدولة: فان إسرائيل منحتهم حماية وملجأ بناء على الشبهات فقط. ومن أجل علاج جميع الحالات الشاذة للمشتبه في تعاونهم والذين لم يعملوا مع إسرائيل بالفعل، تشكلت في جهاز الأمن لجنة مهددين. واعتادت اللجنة أن تمنح هؤلاء الناس حماية وإذنا بالبقاء في إسرائيل، وذلك لعلمها بأن العودة إلى المناطق قد تكون حكما بالموت عليهم.


تسليم مفاجئ


استمرت قصة زكريا سنين طويلة. فقبل عشرين سنة اتهم زكريا الذي يسكن قرية في غربي بيت لحم بأنه تعاون مع إسرائيل. وفي سنة 1995 حقق معه جهاز الأمن العام الفلسطيني وأطلق سراحه. وكانت المرة الثانية التي اعتقل فيها في موجة المطاردة والاعتقالات التي استهدفت المشتبه في تعاونهم مع إسرائيل في سنة 2000. وقبل خمسة أسابيع اعتقل وحقق معه ثانية. وهذه المرة بعد أن سلمه الجيش الإسرائيلي لجهاز الامن العام الفلسطيني. وقد أحاط 12 رجلا من جهاز الأمن العام الفلسطيني، كانوا يلبسون ملابس مدنية، ببيت زكريا وأرادوا اعتقاله قبل شهر.


وعارضت عائلته وهددت باستدعاء رجال التنسيق والارتباط الإسرائيلي. واستغل زكريا الجلبة التي حدثت وهرب. وكان هروبه على نحو طبيعي نحو إسرائيل. ركض زكريا نحو جدار الفصل الأمني، على بعد بضع مئات الأمتار من بيته، وبغير أن يفكر مرتين تسلق الجدار وانتقل إلى جانبه الإسرائيلي. كان واضحا لزكريا أنه توجد على الجدار أجهزة إنذار وعدسة تصوير ولهذا انتظر دورية الجيش الإسرائيلي. وبعد عدة دقائق من اجتيازه الجدار أوقفته قوة من الجيش الإسرائيلي. وقال للجنود إنه هرب من اعتقال جهاز الأمن العام الفلسطيني، ونقل بحسب الإجراءات إلى مركز الشرطة في بئر السبع.


“بعد تحقيق قصير لا يزيد على نصف ساعة تم في جو جيد، اطلقني المحقق”، يقول زكريا. “قال لي إنني استطيع العودة إلى البيت. عدت من بئر السبع إلى مفرق شوكات قاصدا السفر من هناك عن طريق الخليل عائدا إلى البيت. حينما كنت أجلس على حجر قرب الشارع أتت فجأة سيارة جيب لحرس الحدود. ناداني أحد افراد الشرطة باسمي، وأبلغني بأن الجيش يريد التحدث معي. وطلب أن آتي معه”.


نقلت سيارة جيب حرس الحدود زكريا إلى موقع عسكري قرب بلدة شكيف في منطقة لاخيش. “تم كل ذلك في جو حسن وفي ارتياح ولم أشعر بالتهديد”، ويقول “لم يثر في خاطري أن عندهم نوايا آثمة. عاملوني معاملة حسنة بل أعطوني طعاما. فجأة أتى ضابط درزي يخدم في الإدارة المدنية يصحبه ضابط آخر. وطلبا أن استقل سيارتهما. لم أدرك إلى أين يسافران، دخلنا أراضي الضفة الغربية في شارع قرب مستوطنة “نغوهوت”. سألت الضابط إلى أين نسافر فقال لي آنذاك فقط: “نحن نوشك أن نسلمك للشرطة الفلسطينية”. بدأت أجادل، وأسأل لماذا، فقال لي الضابط الإسرائيلي: “لا أستطيع مساعدتك، هذه هي الأوامر التي تلقيناها من أعلى. وحينما كنا ما نزال نتجادل أتت سيارتا جيب لجهاز الأمن العام الفلسطيني. شعرت بالسوء. خفت وحرت”.


وتسلم عناصر السلطة زكريا وأخذوه للتحقيق معه في السجن الفلسطيني. واحتجز مدة 27 يوما في زنزانة، وجرت معه تحقيقات مكثفة تتعلق بعلاقته بإسرائيل. أنكر زكريا التهم الموجهة اليه. “قبل بضعة أيام أطلقوني بكفالة عالية ودعيت للمحاكمة بتهمة الخيانة”، يقول. “لا أفهم لماذا تعاونت إسرائيل مع جهاز الأمن العام الفلسطيني وسلمتني اليه برغم أنهم يعلمون ماذا سيكون مصيري”.


لا ينكرون في الجيش الإسرائيلي أنهم سلموا زكريا إلى أجهزة الأمن الفلسطينية. وجاء في رد رسمي عن متحدث باسم الجيش الإسرائيلي، إن “الحديث يجري عن شخص اعتقل بعد محاولة اختراق جدار الأمن، وتبين من الفحص أن الأجهزة الفلسطينية تطلبه بسبب مشاركته في أعمال جنائية. وقد تم نقل الشخص إلى الأجهزة الفلسطينية”. ويزعم زكريا “الشخص الذي نقل إلى الأجهزة الفلسطينية”، أنه لم تكن له وليست له جنايات. ويعرض برهانا على ذلك، رخصة العمل في إسرائيل التي حصل عليها من الإدارة المدنية. ويقول “لو كنت متهما بجناية لما أعطوني رخصة لدخول إسرائيل”.


“متروكون لرحمة الله”


أصبحت مطاردة المتعاونين في الأشهر الأخيرة شغلا شاغلا لجهاز الأمن العام الفلسطيني. ولا تتم المطاردات والاعتقالات في مناطق السلطة فحسب بل في شرقي القدس واللد وبئر السبع. إن نحو 40 فلسطينيا حوكموا بسبب الخيانة والتعاون مع إسرائيل وهم معتقلون في السجن الفلسطيني في الظاهرية. وفي أريحا ونابلس سجن نحو عشرين متهما آخر بالتعاون. وفي السنوات الـ 15 الاخيرة أعدم ثمانية فلسطينيين بتهمة التجسس لصالح إسرائيل.


وقد تم الإعدام بعد موافقة ياسر عرفات. ويبدي أبو مازن الذي لا يشبه سلفه حساسية للموضوع ولا يوافق على الإعدام. ومن بين المسجونين بتهمة التعاون حكم بالموت على خمسة. لكن أبا مازن لا يوافق حتى الآن على تنفيذ قرار الحكم. ومن بين الخمسة أيضا شرطي فلسطيني من رام الله حكم عليه بالموت قبل نحو شهر ونصف الشهر فقط. وثلاثة آخرون من أبناء عائلة واحدة من قرية يطا قرب الخليل، يقبع إثنان منهم في السجن الفلسطيني، ونجح الثالث في الهرب إلى إسرائيل.


يزعم المتعاونون أن إسرائيل والسلطة الفلسطينية تعملان معا ضدهم ، برغم ما يعنيه ذلك من سخرية. و في قرية اذنا في جنوب جبل الخليل يسكن علي الطميزي الذي تعاون مع إسرائيل مرة، وتهود في الماضي لكنه عاد إلى الاسلام قبل سنتين. ويزعم المتعاونون أن عودته للاسلام ترافقت مع تعاونه مع جهاز الأمن العام الفلسطيني. ومنذ ذلك الحين نجح الطميزي في إغراء اثنين على الأقل من المتعاونين بالحضور للقاء في القدس. وقد أخذوا من هناك مباشرة إلى غرف تحقيق تابعة لجهاز الأمن العام الفلسطيني.


هكذا اختطف جهاز الأمن العام الفلسطيني من القدس غازي سعيد الرجوب وهو اليوم مسجون في الظاهرية. ويعاني أبناء عائلته حرمانا اجتماعيا وضيقا اقتصاديا. وابنه الأكبر ثائر، في السادسة والعشرين هو العائل الوحيد لعائلة تضم 19 شخصا، وهو مطلوب لجهاز الأمن العام الفلسطيني. “اخوة وأبناء عائلة أبي نشروا في الصحيفة إعلانا قالوا فيه إنهم ما عادوا يعترفون بأبي ابنا لعائلتهم”، يقول. “لي خمس أخوات لا يريد أحد الزواج بهن. وطرد اخوتي الصغار من المدرسة. وإذا اعتقلوني والعياذ بالله وطرحوني في السجن الفلسطيني فستصبح العائلة ضائعة. السلطة تطاردنا وإسرائيل لا تساعدنا. أقصى ما أحصل عليه من إسرائيل تصريح إقامة. نحن متروكون لرحمة الله”.


كذلك يزعم المتعاونون أن القضاة الفلسطينيين الذين يعالجون قضايا المتعاونين، يحملون بطاقات هوية إسرائيلية. ذكروا اسمي أكرم عريقات وفهمي العويوي، وهما قاضيان في الخليل، أصدرا عدة أوامر اعتقال وتسليم لمتعاونين.


وتنشر في الصحف الفلسطينية من آن لآخر إعلانات تذكر أسماء متعاونين يدعون إلى تسليم أنفسهم. “إلى المتهم رائد موسى العملة، من قرية بيت أولا”، كتب مثلا في اعلان. “عليك أن تسلم نفسك خلال 10 أيام إلى سلطات القضاء الفلسطيني. على كل من يعلم بمكان وجوده ابلاغ السلطات فورا”.


يعالج المحامي ميخائيل تفلو قضية المتعاونين وقد ألف كتابا عنهم تضمن انتقادا لدولة إسرائيل في هذا الشأن. “يؤسفني أن دولة إسرائيل تستعمل المتعاونين ولا تجازيهم بالخير”، يقول المحامي تفلو. “يوجد هنا جانب أخلاقي ومهني أيضا. على الدولة واجب أخلاقي تجاه المتعاونين، فهم جنود من جميع الجوانب. ويجب الاهتمام بالمتعاونين لنقل رسالة إلى المساعدين في المستقبل أن إسرائيل لن تتركهم. يؤسفني أن الموظفين في دولة إسرائيل مع رؤوسهم الصغيرة هم الذين يسيطرون. والنتيجة غير جيدة في قضية المساعدين أيضا. قبل نحو شهر ونصف الشهر تم تكليف الوزير يوسي بيلد بمعالجة الموضوع. آمل أن يستطيع التغيير”.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock