صحافة عبرية

إسرائيل لا تريد أن تحتل غزة

هآرتس
عاموس هرئيل 8/12/2021

في وقت ما في الماضي البعيد وقبل سنوات كثيرة عندما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتخيل اقامة جدار لا يمكن اختراقه على طول الحدود مع المكسيك، تم ارسال ضباط أميركيين إلى إسرائيل في مهمة تعليمية. البنتاغون اراد الاستعانة بالتجربة التي تراكمت خلال اقامة الجدار على طول الحدود مع قطاع غزة، في حالة طلب منهم تنفيذ المشروع الطموح للرئيس. الناخبون الأميركيون استيقظوا بعد ذلك وطردوا ترامب من البيت الأبيض وإيضا حلم الجدار الذي لم يشاهد العالم مثله تم حفظه. ولكن اليوم وعلى حدود القطاع اكملت إسرائيل مشروعها.
المشروع الإسرائيلي المتواضع أكثر من المشروع الأميركي كلف مع ذلك نحو 3.5 مليار شيكل واستمر ثلاث سنوات ونصف. في نهايته تم مد جدار حول القطاع طوله 65 كم، واستخدم في بنائه 140 ألف طن من الحديد والفولاذ. ارتفاع العائق عن سطح الأرض أكثر من ستة امتار، وتحت الأرض بني جدار ضد الانفاق بعمق، تمتنع الاجهزة الامنية عن ذكره، ووضعت عليه مجسات كثيرة وكاميرات. في المدارس العسكرية يدرسون بأن خط الاتصال يتم اختراقه دائما، لكن الخط الحالي يظهر اكثر صمودا من التجارب المرتجلة لإسرائيل من أجل منع التسلل من غزة الذي كان في الماضي.
يوجد للجيش الإسرائيلي أفضلية عسكرية واضحة على التنظيمات الفلسطينية في القطاع. ولكن احيانا القوة هي أيضا مصدر لنقطة الضعف، التي يتم استغلالها من قبل العدو الأضعف. بالتحديد ازاء تفوقها العسكري، إسرائيل أصبحت حساسة أكثر للخسائر ومستعدة أقل للتضحية. ومنذ عملية الانفصال عن القطاع في 2005 تبنت الحكومات المختلفة خط موحد تقريبا، رغم أن رؤساء الحكومات اكثروا من مهاجمة اسلافهم في هذا المنصب واتهموهم بالكذب واظهار الضعف. جميع الحكومات، بدون صلة بهويتها السياسية، تجنبت بقدر الامكان حرب شاملة في القطاع، وبالتأكيد عملية برية واسعة فيها.
بعد مرور ثلاث سنوات على العملية الأكبر، عملية “الجرف الصامد” في 2014، صرح رئيس الحكومة في حينه بنيامين نتنياهو بصراحة نادرة في نقاش اجراه مع عائلات ثكلى في الكنيست عن استنتاجات مراقب الدولة حول العملية. “نحن لم نرغب بحرب في الجنوب. وقد حاولنا تجنب الحرب بكل ثمن. القصد كان في تلك الفترة أنه اذا اضطررنا الى ذلك فنحن سننفذها بالحد الادنى من الثمن. الثمن هو كلمة تنطوي على عالم كامل لكل عائلة. واجبنا هو تقليص ذلك بقدر الامكان… ضعف احتلال “غزة” هو ليس فقط ثمن الجنود والمدنيين لديهم، بل لمن سيتم اعطاء الارض ومن الذي سيديرها”.
كبديل لعملية عسكرية يكتنفها مصابين واحتلال، عززت إسرائيل دفاعها. في البداية، في فترة حكومة اولمرت – بيرتس، تم تطوير منظومة القبة الحديدية. حماس والجهاد الاسلامي واصلوا اطلاق الصواريخ. ولكن منذ 2011 الاطلاق تحول إلى أقل فعالية. خلال بضع سنوات يمكن للحل القائم أن يتطور إذا نجح تطوير الرد المكمل لاعتراض انظمة الليزر الكهربائية. ولكن في الجرف الصامد وجد الفلسطينيون مسار التلافي للقبة الحديدية وهو الاختراق عبر الانفاق. في المستوى السياسي والجيش اهملوا الاستعداد لذلك، مثلما كشف في تقرير “هآرتس” وبعد ذلك في تقرير المراقب. النتيجة اثارت الرعب في اوساط الجمهور والقت بظلال شديدة على الإنجازات الضئيلة للعملية.
نتنياهو لا يؤمن بالجيران، بل بالجدران. في اعقاب العملية تم اطلاق مشروع الجدار كطبقة مكملة لانظمة الاعتراض. ومثل الجدار الذي اقامه قبل ذلك على الحدود مع مصر فان العائق في غزة هو مشروع ضخم وتبذيري. يمكن القول بأنه كان يمكن ايجاد استخدام افضل للاموال مثل تعزيز جهاز الصحة أو جهاز التعليم. وحتى الآن منظومة الامن، الشخص الذي يقود جميع خطط التجدير منذ عقدين، العميد عيران اوفير، اطلقت عملية مثيرة للانطباع. عن طريق بناء العائق في شبه جزيرة سيناء اوقف نتنياهو كليا تسلل طالبي اللجوء ومهاجري العمل من افريقيا. ولأن النضال الفلسطيني يرتبط بذلك فمن المعقول أنهم في غزة سيبحثون وسيجدون طرق التفافية اخرى (حماس تستثمر الآن في انتاج الطائرات المسيرة). ومع ذلك، الجدار الجديد يبث لحماس بأنه هنا ستجدون صعوبة في العبور.
في بداية السنة القادمة سينطلق، بتأخير لسنوات، مشروع مشابه لاقامة جدار على طول الحدود مع لبنان. مقاطع من الجدار الموجود في الشمال اقيمت في السبعينيات ضد مقاتلي فتح. واجزاء اخرى، التي اقيمت في الفترة قبل وبعد انسحاب الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000، تلاشت منذ ذلك الحين. في الحي الذي تعمل فيه اسرائيل يبدو أن اقامة الجدران ستستمر وستصبح جزء حيوي من الرد الأمني المستقبلي.
ولكن بالتحديد في اليوم الذي فيه يعلن وزير الدفاع ورئيس الاركان في احتفال عن استكمال الجدار في غزة من الجدير السؤال ماذا حول القدرات الهجومية؟ النقاش الذي يتطور الآن في وسائل الاعلام عن هجوم في ايران ليس حقا ذي صلة وهو غير قائم على حقائق. من توقع أن الجيش الاسرائيلي، الذي تقريبا لم ينشغل بذلك بصورة فعلية في السنوات الستة الأخيرة، يستطيع أن يهاجم في صباح الغد المنشآت النووية، هو ببساطة لا يعرف عما يدور الحديث. ولكن السؤال الرئيسي والاكثر الحاحا هو ماذا يمكن للجيش فعله اذا حدث تصعيد في جبهتين بصورة متوازية (لبنان وغزة)، أو ثلاث جبهات (اضافة الى الضفة الغربية). هنا سيكون مطلوب كما يبدو ليس فقط القدرات العالية والمجربة لسلاح الجو وقسم الاستخبارات، بل أيضا استخدام القوات البرية التي لم تجرب تحد مشابه منذ بضعة عقود.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock