صحافة عبرية

إسرائيل والحرب بين روسيا وأوكرانيا

هآرتس
بقلم: انشل بابر 26/1/2022

في اللقاء قبل أربعة أشهر في سوتشي، اقترح نفتالي بينيت على الرئيس الروسي، فلادمير بوتين، أن يستضيف في القدس قمة مع نظيره الأوكراني، فلادمير زلنسكي. حسب تقرير براك ربيد في موقع “واللاه” فإن هذه الدعوة الإسرائيلية كانت بناء على طلب من زلنسكي، وأيضا سلف بينيت، نتنياهو، قدم اقتراحا مشابها قبل ذلك ببضعة أشهر. في الحالتين بوتين رفض الدعوة.
قمة بين روسيا وأوكرانيا في القدس لم يكن بوتين مستعدا لها. هي بالتحديد اقتراح منطقي. إسرائيل من الدول القليلة التي لها علاقات دبلوماسية وثيقة، وحتى دافئة، مع كييف وموسكو في الوقت نفسه. إسرائيل في الحقيقة بعيدة عن منطقة القتال، لكن توجد لها مصلحة قوية وواضحة في منع حرب بين روسيا وأوكرانيا، ولديها الكثير مما ستخسره إذا نشبت هذه الحرب.
إسرائيل أيضا هي مدينة ملاه ومكان لجوء بالنسبة للطبقة الأوليغاركية الروسية- الأوكرانية (وهي حكم فئة قليلة من الروس والأوكرانيين والسلطة السياسية محصورة بيدهم)، وبعضهم ذوو جذور يهودية، ولديهم الجنسية الإسرائيلية لساعة الطوارئ. في أوقات الأزمة، مثلما خلال الثورة في كييف في 2014، التي في أعقابها غزت روسيا شبه جزيرة القرم وإقليم دونباس، كان يوجد في إسرائيل الكثير من أرباب المال من الطرفين الى حين انتهاء الغضب. صالات الفنادق الفاخرة في تل أبيب توفر مكانا نموذجيا للقاءات لم يكن بالإمكان عقدها في بلادهم التي جاؤوا منها.
بفضل اتفاقات سرية بين أجهزة المخابرات فإن إسرائيل هي أيضا المكان الوحيد الذي يكون فيه الأوليغاركيون الذين أغضبوا بوتين آمنين من أن يتم اغتيالهم بواسطة مادة البولونيوم عن طريق وضعها في فنجان الشاي. بوتين وزلنسكي زارا إسرائيل في السابق، وهما يشعران بالراحة فيها أيضا بفضل مئات آلاف الروس والأوكرانيين الذين يعيشون في البلاد -الدولتان توجدان منذ ثلاثة عقود على رأس قائمة الدول التي يأتي منها مهاجرون جدد الى البلاد.
منذ صعد بوتين الى السلطة وبدأ في اتباع سياسة خارجية ما بعد سوفييتية عنيفة، اضطرت إسرائيل الى أن تخطو بحذر زائد حول مصالح الكرملين. هذه الصعوبة أصبحت مهمة بشكل خاص في ظل حكم الرئيسين الأميركيين الأخيرين، براك أوباما ودونالد ترامب، اللذين قادا خطا من تقليص تواجد القوات الأميركية في الشرق الأوسط، بما يشبه الرئيس الحالي جو بايدن، مع إبقاء فراغ تملأه بشكل جزئي روسيا.
من ناحية عسكرية، إسرائيل توجد في مكان متميز جدا من ناحية منظومة علاقاتها. هي في الواقع ليست عضوا في حلف الناتو، لكن توجد لها علاقات وثيقة مع معظم جيوش أعضاء الحلف، التي في السنوات الأخيرة وجدت تعبيرها أيضا في عدد متزايد من التدريبات المشتركة في إسرائيل وفي دول الحلف. في هذه المناورات، الجانب “الأحمر” هو دائما عدو متخيل، لكن أيضا تقريبا دائما عدو مزود بأنظمة قتال من إنتاج روسي.
ومن الجانب الآخر، طوال السنوات الست والنصف الأخيرة، منذ أرسل بوتين سلاح الجو الروسي لإنقاذ نظام الأسد قبل انهياره نهائيا في الحرب الأهلية، كانت إسرائيل موجودة في تنسيق يومي لنشاطاتها الجوية في سماء سورية. هذه الترتيبات تم الاتفاق عليها في اللقاءات في موسكو على مستوى هيئات الأركان العامة وتجري على المستوى التكتيكي في خط ساخن بين غرفة العمليات الروسية في قاعدة حميميم في سورية وبين قيادة سلاح الجو في مقر وزارة الدفاع في تل أبيب. هذا التنسيق يمكن إسرائيل من مواصلة العمل ضد أهداف إيرانية في سورية، في حين أن روسيا تسيطر على المجال الجوي.
شبكة العلاقات للجيش الإسرائيلي مع الناتو هي ذخر استراتيجي، لكن التنسيق اليومي مع الروس هو ضرورة استراتيجية. كما يبدو، من أجل تذكير إسرائيل بأن الوضع في السماء المجاورة، نفذت مؤخرا طائرات قتالية روسية طلعة جوية مشتركة مع طائرات سلاح الجو السوري، التي مرت فوق هضبة الجولان، غير بعيد عن أراضي إسرائيل. وحتى أن الروس اهتموا ببث صور من الرحلة الجوية في القناة الرسمية.
اعتبار استراتيجي آخر لإسرائيل يتعلق ببيع الغاز الطبيعي الإسرائيلي لزبائن أوروبيين. المخططات الطموحة لإقامة أنبوب تحت البحر يربط حقول الغاز البحرية في إسرائيل باليونان ومن هناك الى دول أخرى في أوروبا يراوح في المكان، ومشكوك فيه أن يخرج في أي يوم الى حيز التنفيذ. ولكن احتمالية نقل الغاز الإسرائيلي بصهاريج إذا نشبت حرب وروسيا أوقفت تزويد الغاز، توجد في الخطط الموجودة في أدراج الغرب. إسرائيل بالطبع ستكون سعيدة لبيع الغاز ومساعدة حلفائها الأوروبيين. ولكن من ناحية أخرى هي ستخشى من الطريقة التي سيفسر فيها بوتين هذه الخطوة.
اعتبار آخر أيضا هو الخوف على سلامة الجاليات اليهودية في شرق أوكرانيا، التي من شأنها أن تتحول الى منطقة قتال. في هذه الأثناء ليس هناك ارتفاع في عدد طلبات الهجرة، لكن هذا الواقع من شأنه أن يتغير بسرعة، رغم أن بوتين مقرب جدا من زعماء الطائفة اليهودية في روسيا، وزلنسكي هو نفسه يهودي. الحكومتان العدوتان تعرضان نفسيهما كمن تدافعان عن الجاليات اليهودية فيهما، وتقومان باتهام بعضهما بعضا برعاية اللاسامية، ولكن في الفوضى التي ستسود في المنطقة عند نشوب الحرب المحتملة فإنه من شأن مشاعر الكراهية لليهود أن تظهر.
بسبب هذه الحساسية فإن إسرائيل تتجنب منذ سنوات، رغم الضغط من الإدارة الأميركية، الانضمام الى بيانات الإدانة التي تقودها الولايات المتحدة ضد أعمال روسيا. وحتى قبل 12 سنة، عشية الغزو الروسي لجورجيا في 2008، حذر بوتين الرئيس شمعون بيرس، الذي التقى معه في احتفال افتتاح الألعاب الأولمبية في بكين، مما يتوقع أن يحدث، وإسرائيل اهتمت بإعادة مستشارين لشركات أمنية خاصة عملوا في مساعدة جيش جورجيا، الى البلاد.
منذ ذلك الحين، تجنبت إسرائيل تقريبا بشكل كامل بيع السلاح والمعدات الأمنية لدول الاتحاد السوفييتي السابق، التي اعتبرتها روسيا عدوة لها. إذا اضطرت الى الاختيار فإنه لن يكون لإسرائيل أي مناص، هي عضو في معسكر الغرب بقيادة الولايات المتحدة، لكن بما أن الأمر يتعلق ببوتين وخططه فهي ستفعل كل ما في استطاعتها لتجنب اختيار الوقوف بشكل علني الى جانب طرف بصورة واضحة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock