ترجمات

إسرائيل وفلسطين: دولتان أم دولة واحدة؟

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 27/5/2021
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

هل تم تخصيص الكثير من الوقت والجهد للسلام من أجل تحقيق تأثير ضئيل لا يكاد يُذكر فحسب؟ شرعت الولايات المتحدة في الإشراف على المحادثات بين الإسرائيليين والفلسطينيين منذ ثلاثة عقود. لكن الأرض المقدسة ما يزال يتنازع عليها شعبان لا يستطيعان التوصل إلى طريقة للعيش معاً. ولم يحقق القتال الأخير الذي اندلع في أيار (مايو)، والذي خلف 242 قتيلاً فلسطينياً وعشرة إسرائيليين أي شيء سوى تمهيد الطريق للجولة التالية من القتال.
تهدف عملية السلام التي أطلقتها اتفاقيات أوسلو في العام 1993 إلى إنشاء دولتين تتفقان على أن لا تتفقا -بإجراء التبادلات في الأراضي، والضمانات الأمنية، وصفقة لتقاسم القدس، وتأمين “حق عودة” محدود للفلسطينيين. وكانت جائزة إسرائيل من هذه العملية أن تكون ديمقراطية مزدهرة وملاذًا لليهود. أما بالنسبة للفلسطينيين، فكانت الجائزة هي الوعد بالحكم الذاتي. وفي بعض الأحيان، كان السلام قريبًا بطريقة محيرة، لكنه تراجع مرة أخرى وسط مناخات الشك والاتهامات المتبادلة.
ومع ذلك، بدلاً من أن تكون طريقاً إلى السلام، أصبحت “عملية” إقامة الدولتين اليوم هي التي تغلق الطريق. وما يزال الجميع يتظاهرون بأن السلام ما يزال على جدول الأعمال في حين أنه في الواقع ليس كذلك. وهذه وصفة للمعاناة والنزاع. الآن، يمكن تأجيل كل ما هو مهم تقريبًا مع الوعد بأنه سيتم حله، يومًا ما، في صفقة دائمة خلف الأفق. وهي وصفة تؤدي أيضاً، كما هي حالة الأمور، إلى دولة واحدة.
لن تكون الفكرة القائلة إن إطار حل الدولتين كان ضاراً خبراً جديداً للفلسطينيين. ففي ظل هذا الإطار، تراجعت وتقوضت رؤية إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة ومتجاورة. وأصبحت الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية أرخبيلاً متناثراً في بحر آخذ في الاتساع من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية بموجب القانون الدولي. وغزة جزيرة منعزلة مقطوعة عن العالم بالحصار الإسرائيلي والمصري. وكان من المفترض أن تكون السلطة الفلسطينية حكومة في الانتظار. لكن الشباب الفلسطيني أصبحوا ينظرون إليها على أنها عميلة للاحتلال الإسرائيلي، حتى بينما يشيدون بحماس؛ الجماعة الإسلامية العنيفة التي تحكم غزة، لوقوفها في وجه إسرائيل.
بدلاً من الجهود الراكدة لعملية حل الدولتين، أصبحت الرؤية الفلسطينية الجديدة تتمثل في المطالبة بالحقوق الفردية في دولة واحدة. ويشعر أولئك الذين يعيشون في غزة والضفة الغربية بالاستياء من الحاجة إلى إذن إسرائيل (غالبًا ما يتم حجبه) للسفر لرؤية عائلاتهم. وقد اندلع القتال الأخير بسبب خلاف على الممتلكات في القدس الشرقية، حيث معظم الفلسطينيين مجرد “مقيمين”. وحتى عرب إسرائيل يشتكون من عدم المساواة وانتفضوا أثناء القتال في غزة.
وهذا يترك إسرائيل في مأزق. فقد ازدهرت في ظل أوسلو. في هذه الفترة، زاد نصيب الفرد من الناتج المحلي بأكثر من النصف خلال الأعوام الثلاثين الماضية. وأصبح نظام “القبة الحديدية” للدفاع الصاروخي يحميها إلى حد كبير من هجمات حماس. وقد ناسبت القيادة الفلسطينية المنقسمة والضعيفة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي أظهر القليل من العناية بالفلسطينيين. ولا يقتصر الأمر عليه وحده فقط: لم يظهَر الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني كثيرًا في أي من الانتخابات الأربعة التي أجرتها إسرائيل منذ العام 2019.
وهذا لا يمكن أن يدوم. تسمح وثيقة أوسلو لإسرائيل بادعاء أن الاحتلال سينتهي في اتفاق نهائي. وبصفتها السلطة المسؤولة المؤقتة، فإنه ليس عليها واجب تمديد الحقوق الكاملة للمواطنين إلى الضفة الغربية. لكن فكرة الاحتلال المؤقت أصبحت تبدو، بعد مرور 54 عامًا على حرب الأيام الستة، جوفاء بشكل متزايد.
من دون أمل في التوصل إلى اتفاق، بدأ منتقدو إسرائيل يتحدثون عن “واقع الدولة الواحدة”. وهذا الواقع يتحدى إسرائيل: بما أن عدد اليهود في الأرض المقدسة يساوي عدد الفلسطينيين، فإنها لا يمكن أن تكون دولة يهودية وديمقراطية معاً بينما تسيطر بشكل دائم على كل تلك الأراضي. والآن، يقارن العديد من منتقدي السياسة الإسرائيلية، بمن فيهم بعض اليهود الليبراليين، معاملة إسرائيل للفلسطينيين بنظام الفصل العنصري.
ويتردد صدى المطالبة الفلسطينية بالحقوق في الخارج، بما في ذلك في قاعات الكونغرس الأميركي نفسه. وعن طريق ربط إسرائيل في تحالف مع الحزب الجمهوري، ساعد نتنياهو على جعل الفلسطينيين جزءًا من الحروب الثقافية الأميركية. وقد شرع التقدميون في الحزب الديمقراطي في إعلان أن حياة الفلسطينيين مهمة.
كانت أميركا دائماً أهم حليف لإسرائيل. صحيح أن المساعدة الأميركية أصبحت أقل أهمية مما كانت عليه، حيث تنتج إسرائيل الآن معظم أسلحتها المتطورة، ولديها علاقات مع المزيد من الدول، بما في ذلك جيرانها العرب من خلال اتفاقات إبراهيم. ومع ذلك، إذا ابتعدَت إسرائيل عن أوروبا وأميركا ونحو دول مثل روسيا والصين والهند الشعبوية، فسيكون هذا بمثابة ضربة لإسرائيل كنموذج غربي ليبرالي وديمقراطي.
والأهم من ذلك، أن سياسة “مناهضة الحلول” التي تبناها بنيامين نتنياهو جعلت بلاده أقل قدرة من أي وقت مضى على شق الطريق إلى مستقبل مع الفلسطينيين. وقد جعل احتضانه لليمين اليهودي المتطرف من حدوث الانفجارات أكثر احتمالًا مع الاستفزاز الدائم للنشطاء الفلسطينيين -شاهد العنف الطائفي الأخير في المدن الإسرائيلية. وأدى بناء الجدار الذي يفصل إسرائيل عن الضفة الغربية إلى تعميق انعدام الثقة بين العرب واليهود. وأصبحت المستوطنات، التي كان يعتقد في السابق أنها قابلة للتفاوض، عقبة كبيرة ودائمة أمام تحقيق السلام.
خدم الحفاظ على الوضع الراهن إسرائيل جيدًا، ولكنه غير مستدام في نهاية المطاف. عاجلاً أم آجلاً سيكون هناك وقت للحساب، والذي يتطلب صيغة جديدة للعيش إلى جانب الفلسطينيين. وسوف يغذي الالتزام بأوسلو، مع تقويضها عمليًا، واقع الدولة الواحدة -لأنه يجعل من الأصعب باطراد تحقيق حل قائم على فكرة الدولتين.
بدلاً من فرض السلام بضربة واحدة من الذكاء الدبلوماسي من أعلى إلى أسفل، فإن الهدف الأكثر واقعية هو بناء السلام بصبر من الأسفل إلى الأعلى. ويجب أن يكون المبدأ التوجيهي هو التركيز على منح حقوق الإنسان والحقوق المدنية للفلسطينيين. ولن تمنح إسرائيل الفلسطينيين كامل الحقوق غداً، لكنها يمكن أن تجعل مواطنيها العرب أكثر مساواة من خلال تخصيص الموارد لمجتمعاتهم. ويمكن أن تجعل إدارة القدس أكثر شمولاً لجميع السكان بحيث لا تتصاعد الخلافات حول الأسيجة إلى حرب. ويجب أن تتحمل المزيد من المسؤولية عن المعاناة التي يجدها الناس في الضفة الغربية وغزة -وأن تعمل بجدية أكبر لتخفيفها.
كما سيؤدي التركيز على الحقوق إلى جعل القادة الفلسطينيين أكثر عرضة للمساءلة. لن يمكنهم بسهولة أن يطالبوا إسرائيل بحقوق ينكرونها هم على شعبهم. وقد أصبح محمود عباس في عامه السابع عشر من فترة ينبغي أن تكون أربع سنوات كرئيس. وحزب فتح الذي يتزعمه متصلب، في حين تدوس حماس على حقوق شعبها، بما في ذلك النساء والأقليات. وسيكون وجود قادة فلسطيين أفضل شرطاً مسبقاً لتحقيق السلام.
من الواضح أن التخلي عن أوسلو ينطوي على مخاطر. قد يندفع المستوطنون الإسرائيليون ويتوغلون أبعد داخل الأراضي الفلسطينية إذا لم يعودوا خاضعين للقيود. وربما تعمد حماس، التي تريد دولة واحدة يفوق فيها الفلسطينيون اليهود، إلى مضاعفة مقاومتها. لكن المسار الذي تتخذه الأمور اليوم يظل أكثر خطورة.
يبدأ السلام دائمًا بالاعتراف بالواقع. وهو يرسي لنفسه جذوراً من خلال تحسين الحياة وتجديد السياسة. ويمكن لهذا أن يزدهر ويتطور إلى شيء جديد. ثم، في يوم من الأيام، يمكن للأطراف أن تبدأ الحديث مرة أخرى عن صفقة، سواء كانت لدولة واحدة أو دولتين.

:نشر هذا التقرير تحت عنوان* Israel and Palestine: Two states or one?

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock