أفكار ومواقف

إسرائيل ونظرية الاحتواء المزدوج بمساعدة مصرية

هناك مؤشرات كافية على وجود مخطط إسرائيلي قوامه “الاحتواء المزدوج”؛ والذي يُبقي سلطة “حماس” في غزة، وسلطة “فتح” في الضفة الغربية. ويبدو أنّ السياسات المصرية تخدم، بشكل مقصود أو غير واع، هذه الاستراتيجية.
سياسة الاحتواء المزدوج معروفة في العلاقات الدولية والسياسية، ومثالها الكلاسيكي سياسة الولايات المتحدة الأميركية في منطقة الخليج العربية قبل التسعينيات. فدونالد رامسفيلد الذي أدار حرب العراق العام 2003، هو ذاته الذي كان يورد الأسلحة ويتفق مع صدام حسين للوقوف في وجه إيران، ويزوره في العام 1983 مبعوثا من الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريغان؛ وفي الوقت ذاته كانت الولايات المتحدة تعطي السلاح لإيران سراً لمحاربة العراق، فيما يعرف بفضيحة “إيران غيت”، أواسط الثمانينيات.
وتوضّح الحرب الأخيرة على غزة في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، فكرة الاحتواء المزدوج إلى حد كبير.
في أثناء الحرب، قال دان ميرودور وزير الاستخبارات الإسرائيلي: “لم نتحرك لتدمير “حماس”؛ إن مبتغانا أن يكون بمقدرتهم السيطرة على غزة بدون مهاجمتنا”. أمّا إيهود إيعاري، الباحث الإسرائيلي الشهير، فكتب في مجلة “فورين أفيرز”، أثناء الحرب أيضاً وقبل نهايتها: “حدّدَت إسرائيل هدفا متواضعا إلى حد ما لحملتها المسمّاة “عمود السحاب”، لا يتضمن إزاحة نظام “حماس” من غزة على نحو ما كانت تسعى في الماضي؛ كما لم تسع إلى انهيار كامل لجناح “حماس” العسكري. إنّ الهدف كما حدده بيان من مسؤول إسرائيلي بارز هو هدنة طويلة الأمد على طول الحدود مع غزة”.
وبطبيعة الحال، فإنّ سياسة وضع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية على حافة الانهيار بشكل دائم أمر بات واضحا، مع التدخل للإنقاذ قبيل السقوط.
إذن، المطلوب طرفان فلسطينيان ضعيفان منقسمان، ولكن دون انهيار أحدهما. وهذه اللعبة قد تستمر سنوات.
من الذي يدير الملف الفلسطيني في مصر؟ أو من الذي يحكم مصر عموما؟
ما قامت به مصر في الأيام الماضية إزاء ملف غزة تضمن ثلاثة تحركات أساسية: أولها، تصعيد مواجهة الأنفاق بين غزة ومصر، بأساليب منها إغراقها بمياه الصرف الصحي، إلى الحد الذي استفز القيادي الصقوري الحمساوي خليل الحية الذي أعلن أن “حماس” ترفض تدمير الأنفاق، مؤكداً أنها كانت خيارا وحيدا لمواجهة الحصار، ومعتبراً أن إغراقها المتكرر بالمياه في ظل الحصار هو “بمثابة حكم بعودة الحصار بقرار رسمي مسبق، وهو تجديد للحصار من جديد، ومصر لا تريد ذلك”. ودعا مصر إلى فتح معبر رفح لإنهاء الحاجة إلى الأنفاق، كما طالبها بإلزام الاحتلال بفتح المعابر وإنهاء الحصار.
الأمر الثاني، كان مصادرة شحنات أسلحة تتضمن مضادات للطائرات وللمدرعات، وألغاما وسوى ذلك. وإذ يُعتقد أنّ الأسلحة وشحنات أخرى صودرت الشهر الماضي كانت في طريقها إلى غزة، فإنّه لا أنباء مؤكدة في هذا الشأن.
الأمر الثالث، والمرتبط بالثاني، هو الأنباء عن وفد عسكري إسرائيلي زار القاهرة مؤخرا، لبحث استكمال تطبيق التفاهمات التي جرى التوصل إليها مع “حماس” بوساطة مصرية إبّان حرب العام الماضي، وبهدف تخفيف الحصار. وهذه الأنباء نشرتها مصادر إسرائيلية لم تشر إلى ما إذا كان هناك وفد من “حماس” في القاهرة للغرض ذاته، أم أنّ الامور تجري عبر الوسيط المصري. ولكنها أشارت إلى مرونة في تخفيف الحصار مقابل تصعيد مصري في ملاحقة التسليح.
ما يجري هو تخفيف للحصار تقوم به مصر، ولكن بالتفاوض والتفاهم مع إسرائيل، وليس بمعزل عنها أو مواجهة معها. أي أنّ الملف الفلسطيني يدار مصريا بالطريقة القديمة التي تأخذ بالاعتبار ما تسمح وما لا تسمح به إسرائيل. ووصول الإخوان المسلمين إلى الحكم لم يغير كثيراً، ربما باستثناء أنّ النظام السابق كان يهتم أكثر بمواقف السلطة في
رام الله. قد يكون سبب هذا الوضع أنّ من يمسكون بالملف الفلسطيني في أجهزة الأمن ووزارة الخارجية في مصر هم ذاتهم الذين كانوا يديرونه سابقاً، وربما لأنّ النظام الجديد لا يعتبر إدخال تعديل جوهري في إدارة هذا الملف من أولوياته، أو لأنّه لا يتفق مع “حماس” بشأن طريقة إدارته.
المحصلة سياسة اسرائيلية لاحتواء مزدوج فلسطيني، بتسليم ضمني فلسطيني وعربي!

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock