أفكار ومواقف

إشارات ملكية عديدة

رسالة الملك لمدير المخابرات بعد تكليفه بموقعه تختلف جذريا عن كل الرسائل الشبيهة التي يوجهها الملك عند تعيين قادة الأجهزة، وإذا عدنا لكل الرسائل السابقة لوجدنا أن هذه الرسالة مختلفة بمضمونها فهي واضحة، وغامضة محملة بالرسائل نحو أكثر من جهة.
طبيعة الرسائل الملكية بروتوكولية وتتحدث في العموميات وحتى حين تتناول أي توجيهات تتناولها بشكل عام لان التفاصيل عادة لا يتم اشهارها أمام الرأي والمتتبعين للمشهد الأردني داخليا وإقليميا ودوليا، فيما هذه الرسالة تحوي إشارات حساسة للغاية والكل يعرف أن التفاصيل تكون عادة بين الملك وقادة المؤسسات العسكرية ولا تخرج إلى العلن، لكن اشهارها بهذه الطريقة مقصود لغايات كثيرة داخلية وخارجية فهي رسالة إلى مدير المخابرات وإلى غيره أيضا داخليا وخارجيا في هذا التوقيت.
أبرز الإشارات ما يرتبط بوضع الإقليم والأردن والتجسير بين وضع الإقليم الحساس ووجود محاولات لخلخلة الداخل الأردني في الوقت ذاته، وكأن هناك تلميحا ضمنيا إلى وجود معلومات حساسة حول نوايا غير حسنة لأطراف كثيرة خلال الفترة المقبلة ستتورط في سيناريوهات تصب لصالح حسابات إقليمية ليست بريئة. لهذا يقول الملك في رسالته “رصد كل المحاولات اليائسة التي نلمسها خصوصاً في الآونة الأخيرة والهادفة للمساس بالثوابت الوطنية الأردنية والتعامل معها بفاعلية وفي التصدي لكل من تسول له نفسه محاولة العبث بالمرتكزات التي ينص عليها الدستور الأردني وفي مواجهة البعض ممن يستغلون الظروف الصعبة والدقيقة التي نمر بها والهموم المشروعة التي نعمل على تجاوزها لدى بعض الفئات في مجتمعنا طلباً لشعبية زائلة تاركين بذلك أنفسهم سواء عن علم أو جهل عرضة للاستغلال من جهات عديدة لا تريد لنا الخير وتعمل على العبث بأمن الأردن واستقراره”.
مدير المخابرات الجديدة أمام مهمة حساسة للغاية فهو ومع خبرته في الشأنين الداخلي والخارجي أمام مهمة تحييد هذه الاخطار التي تطرق اليها الملك تلميحا دون تفاصيل كثيرة، في الوقت الذي لا تتقصد فيه الرسالة من حق التعبير أو الحريات لكن الواضح أن الخط الفاصل بين الأمرين في هذا التوقيت خط دقيق جدا وبما يمكن اعتباره بوابة قد تستغلها قوى كثيرة لتمرير مخططاتها، خصوصا أن الكل يدرك أن تداعيات صفقة القرن والضغوط الإقليمية على الأردن ليست سهلة فوق وجود اجندات لتصفية الحسابات مع الأردن وهي اجندات ليس هنا محل سرديتها وقد يسعى كثيرون للنفاذ عبر حساسيات الوضع الداخلي وعبر هذه النقطة بالذات تبدو الإشارة هنا داخلية وخارجية أيضا.
الرسالة من جهة ثانية لا تتهم كل ناقد بكونه جزءا من مؤامرة لكنها تتحدث بشكل واضح عن ان هناك شيئا ما يجري التخطيط له في المنطقة والعالم بشأن الأردن وهذا أمر يستند على معلومات وليس من باب اخافة الرأي العام أو دفعه إلى الوراء عبر اتهامه مسبقا بالتورط في مؤامرات ضد الأردن.
الإشارة الثانية البارزة في رسالة الملك ترتبط بهذه المكاشفة التي تعد الأولى من نوعها بحق أخطاء نفر قليل من منتسبي الجهاز وهي إشارة وردت في سياق إشادة بكفاءة الجهاز وافراده، والكل يدرك أيضا ان عمان سبق ان حاسبت وحاكمت مدراء مخابرات سابقين ومسؤولين أمنيين دون أن تصير الحالات الخاصة هنا عنوانا عاما. لكن اللافت للانتباه إعادة التذكير علنا بمخاطر تجاوز حدود السلطة أو المنصب أو توظيفهما إذ يقول في الرسالة ” لم تخل شأنها في ذلك شأن أي مؤسسة أو إدارة حكومية أخرى من بعض التجاوزات لدى قلة قليلة حادت عن طريق الخدمة المخلصة للوطن وقدمت المصالح الخاصة على الصالح العام الأمر الذي تطلب حينها التعامل الفوري معه وتصويبه”. ويلفت جلالته إلى أن الفئة “لم تتعامل مع السلطة والمنصب على أنهما تكليف وواجب خدمة وطني ينبغي أن لا يحيد قيد أنملة عن اعتبارات تحقيق مصلحة الوطن والمواطن”.
في كل الأحوال حملت الرسالة رسائل رئيسية وفرعية بعضها داخلي وبعضها إقليمي ودولي، وقد كانت منصة قال الملك عبرها الكثير، خصوصا وراء الكلمات والسطور التي تحمل شيئا آخر بما يؤشر على مرحلة حساسة مقبلة على الأردن.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock