أفكار ومواقف

إشكالية الترجمة و”الموقف”..!

ظهر على موقع “الغد” قبل أيام تعقيب على موضوع مترجم، والذي يعتب فيه المعلق على “المترجِم الذي اعترف بإسرائيل وحدودها اليوم، ولم يقل فلسطين إلا عندما تحدث عنها قديماً، وكأنها كانت فلسطين. وهذا عار، فهي كانت و(ما) تزال فلسطين”. وكان النص المقصود في الموضوع كما يلي: “لكن ذلك هو ما حدث في اليرموك، بالقرب من الحدود السورية الحديثة مع الأردن وإسرائيل في العام 636 ميلادي. وقد أسفرت تلك المعركة عن احتلال المسلمين العرب لسورية وفلسطين”.
في مناسبة أخرى أيضاً، أرسل متابع نقداً قاسياً أيضاَ، لأن موضوعاً أسقط من الترجمة بضع عبارات تعرِّض صراحة برموز البلد التي لا يمكن المساس بها. وتحدثت المداخلة عن عدم أمانة الترجمة لهذا السبب، ولم تنتبه إلى أهمية المعلومات التي عرضها الموضوع، والجرأة في مجرد ترجمته ونشره.
هذان مثالان فقط على القضايا الإشكالية التي تتعامل معها الترجمة، والإعلامية منها على وجه الخصوص. وإحدى الإشكاليات هي الخلط بين موقف المترجم وموقف صاحب الموضوع الأصلي. وفي الحالة الأولى أعلاه –كمثال- استخدم الكاتب الأجنبي، حسب رؤيته، كلمة “إسرائيل” وليس فلسطين في العبارة الأولى. ولا يعني نقل عبارته بنصها أن هذا موقف المترجم من الكيان. ولإيضاح النقطة، لنتصور أن رئيس وزراء الكيان أدلى بتصريح إعلامي عن الشرق الأوسط. هل يترتب على المترجم استبدال كلمة “إسرائيل” أينما وردت في تصريحه بكلمة فلسطين؟ سوف يعني هذا الاستبدال أن نتنياهو ينكر كيانه ويعترف بفلسطينية فلسطين -حبذا. ولا يمكن أن يقترف أي مترجم هذا العبث، بدافع عدم اعترافه الشخصي بشرعية الكيان الاحتلالي في فلسطين.
إن الترجمة شيء والكتابة شيء آخر مختلف تماماً. ولا يمكن أن يكون المترجم مسؤولاً عن موقف الكاتب. وإذا قال كاتب أو مسؤول غربي نترجم عنه أن حركة حماس “إرهابية”، فلا يجوز للمترجم ترجمة ذلك بأن حماس حركة مقاومة، أو مناضلة، فيجعل صاحب الرأي الأصلي فلسطينياً وطنياً رغماً عنه، وما هو كذلك. ولو قامت الترجمة باستبدال كل الكلمات التي لا تتفق مع الحس العام أو موقف المترجم، لأصبح كل شيء نترجمه مضحكاً وبعيداً أميالاً عن الحقيقة. ولو كان الأمر كذلك، فإن الترجمة كلها تصبح فعلاً فائضاً عدمه أحسنُ منه.
هذا هو الأصل في الأشياء. ولكن الحالة الثانية أعلاه أكثر تعقيداً، حيث نقل الأصل بالضبط شأن خارج منطقة حرية –أو أمانة- المترجم، خصوصاً في الإعلام. وقد سألت ذات مرة محامياً متخصصاً في قضايا الإعلام عن إمكانية احتماء الموضوع الصحفي بصفة الترجمة، باعتبارها ليست رأي المترجم. وكان الجواب أن القانون المعمول به يحاسب المطبوعة والمترجم إذا كان في الموضوع قدح أو تعريض بالهيئات أو الأشخاص، وقرروا إقامة دعوى. فماذا إذا كان في الموضوع مساس بالمحرمات المعروفة، بغض النظر عن تعريف المترجم الشخصي للمحرم والمباح؟
بناء على ذلك، يعود الأمر إلى تقدير صاحب القرار في اختيار ما يُترجم. وعلى الأغلب، يتم استبعاد الموضوعات التي لا يستوعبها الإعلام بشروطه المعروفة، ومعرفة المحرر التبعات والممكن والمستحيل. وفي حالات أخرى، قد يرى صاحب القرار أن الموضوع يضم معلومات مهمة تستحق إطلاع الجمهور عليها، ولا بأس لأجل ذلك من التصرف بحذف عبارتين حادّتين تنتميان بوضوح إلى باب القدح والتعريض (في العرف السائد) من أجل تمرير المعلومة المهمة، بينما لا ينتقص حذف الشتائم الممنوعة من المحتوى الجوهري أو الأطروحة المفيدة. وفي هذه الحالات، يتوقع المترجم من قرائه المطلعين بالذات -الذين تمكنهم مراجعة الأصل- أن يتفهموا التصرف بسبب اطلاعهم بالتحديد، والذي يؤهلهم لتقدير السبب البائن وراء الحذف أو التصرف بوصفهم يعرفون السياقات العامة.
جدل الموقف والترجمة دار كثيراً حول ترجمة الأدبيات المكتوبة بالعبرية، على سبيل المثال. وقد رفض البعض ذلك باعتباره تعاملاً من نتاج العدو، في حين دافع عنه البعض باعتبار أن معرفة تفكير العدو هي جزء من أدوات الصراع. لكن مادة الشيء المترجم ليست هي موقف المترجم، إلا بالقدر الذي يخص موقفه من مهمة الترجمة كوسيلة لمعرفة كل آخر ممكن، أو غير ذلك.

تعليق واحد

  1. ملاحظة اضافية للكاتب والمترجم
    ضروري ما أوضحته أستاذ علاء بشأن الترجمة، وأتفق معك تماماً. أريد أن أسجل أن اختيارات الغد لما تترجمه هي اختيارات مدروسة ومفيدة وذات علاقة باهتماماتنا نحن في الأردن – حتى كتاب الغد أنفسهم يستفيدون من اختيارات الغد من الترجمة. فقط أريد أن أقول أن بعض ما يترجم بالغد يحتاج إلى إعادة صياغة لغوية بالعربي بعد ترجمته حتى يصبح مفهوم أكثر وأوضح (لا أقول تحرير أو تدخل بالمحتوى).

  2. الحل السحري
    من يعترض على هكذا امور فنية وشكلية لاينفع معه اي توضيح! العرب معروفون بالانفعالية وعدم الموضوعية. لا تحزن الموضوع بسيط ويمكن استعمال الاقواس لتجنب اللبس، على اساس انه في حدا بعرف في الترقيم!

  3. الخليج "الفارسي"؟!؟!
    من حق القارئ ان يستهجن تسمية الخليج العربي ب " الخليج الفارسي" في الترجمات التي تنشر على الغد.. على الاقل, يوضع الاسم بين اقواس.

  4. رائع
    شهادتي مجروحة فأنت استاذي ولا أملك إلا أن أقول رائع رائع رائع استاذ علاء

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock