صحافة عبرية

إصلاح إسرائيلي

يديعوت أحرونوت

بقلم: آريه شافيت

توجد حكومة. بعد سنتين من الطريق السياسي المسدود وبعد ثلاث حملات انتخابية صادمة – أخيرا نصبت في الكنيست أمس حكومة وحدة. ولكن حكومة نتنياهو – غانتس هي حكومة مضخمة. فيها كثير من الوزراء وقليل من الكفاءة. فيها عدد لا يحصى من الخلطات وليس فيها رؤيا. وهي تبدو كحكومة جوليات: جسم ضخم بلا روح. بلا نفس. بلا حقيقة داخلية.
خسارة. حتى قبل أزمة الكورونا كان التهديد الأساس على إسرائيل هو التهديد الداخلي، تآكل الديمقراطية وحرب القبائل اصبحت المشكلة الوطنية رقم واحد. ولكن تداعيات وباء الكورونا ستعظم جدا هذا التحدي. مئات الآلاف يوشكون على فقدان أماكن عملهم ومصادر رزقهم. الخراب الاقتصادي والبطالة العالية سيعمقان جدا الشروخ الداخلية. أمام كل هذا فان حكومة الوحدة هي الجواب الصحيح. ولكن لحكومة الوحدة يجب أن يكون طريقا. وهذا يجب أن يقوم على اساس فكرة تأسيسية. الفكرة التأسيسية المطلوبة هي فكرة الدولة القومية. منذ البداية كان الهدف الاسمى للصهيونية هو اقامة دولة ذات سيادة. وعندما قامت إسرائيل كانت دولة مؤثرة للانطباع جدا توازن بين اليهودية والديمقراطية، بين القومية والليبرالية، بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. ولكن في العقود الأخيرة اختل هذا التوازن. سلسلة من القوى عظيمة القوة سحقت الدولة جدا: العولمة عديمة الحدود، الرأسمالية الساحقة، الفكر الليبرالي الجديد في اليمين، سياسة الهويات في اليسار. ان مسيرة الخصخصة الشاملة والجارفة أضعفت الدولة، القطاع العام والمنظومة الرسمية. سياسة اقتصادية محافظة دفعت الاقتصاد الى الامام ولكنها مزقت المجتمع إربا. سياسة التطرف، التحريض والكراهية فككت القاسم المشترك. في الوقت الذي اصبحت فيه إسرائيل قوة عظمى، امر ما عميق انكسر في داخلها. فقدت طريقها (المشترك) وهويتها (الموحدة).
وجاء الوباء العالمي ليؤكد الحاجة إلى الإصلاح. فقد دق سكينا حادة وفتاكة في بالون الهواء الساخن للعولمة الليبرالية الجديدة. ما اثبته الكورونا هو أنه في لحظات الاختبار الحقيقية لا يمكن لقوى السوق أن تنقنا والعامل الوحيد الذي يحمينا ويرص صفوفنا هو الدولة القومية. كما علمتنا العاصفة الصادمة ان نكون محليين أكثر، متواضعين وملتصقين بالأرض أكثر. خربت ابراج بابل الغرور، الطمع والاستهلاك الزائد. علمتنا التواضع.
هكذا فانه في الأيام التي نودع فيها موجة الكورونا الاولى توجد لنا فرصة تأتي لمرة واحدة لتغيير القرص. لتغيير الفكر. لتعريف أنفسنا من جديد. وحكومة الوحدة الوطنية يمكنها أن تكون الوسيلة القوية التي تقودنا الى الهدف الوطني الجديد: إعادة بناء الأمة وتوحيد المجتمع. تحويل إسرائيل الى دولة يهودية، ديمقراطية ومتينة.
إن الحاجة الى وضع الدولة مرة اخرى في مركز حياتنا واضحة. حتى بعد الهبوط الكبير، حتى بعد الحرب العالمية الثانية وكذا في العقود الأولى لإسرائيل – كانت الدولة القومية هي التي قادت الناس من الدمار الى النهضة. روزفلت، ايزنهاور، آديناور، ديغول وبن غوريون قادوا سياقات بناء الأمة وإعادة تأهيل الاقتصاد من خلال خليط من التخطيط الوطني والمبادرة الخاصة. وكان نجاحهم مذهلا. قادوا أميركا، أوروبا وإسرائيل الى عصر ذهبي من النمو العالي، المساواة، التوسيع الدراماتيكي للطبقة الوسطى والنشر الواسع للتعليم العالي.
إن الازمة ما بعد الكورونا تستدعي تبنيا لنهج مشابه. مثلما في الثلاثينيات والخمسينيات من القرن الماضي، ستكون حاجة لمشاريع بنى تحتية عظيمة تنقذ الاقتصاد من الركود المرتقب، تخلق أماكن عمل وتطور إسرائيل. يحتمل أن تكون حاجة ايضا الى تأميم جزئي لأعمال تجارية حيوية ينقذها دافع الضرائب من الافلاس. وستكون حاجة للتأكد من أن الضخ الحكومي العظيم يضمن تشغيلا كاملا ولا يثري الأقلية على حساب الاغلبية. باختصار: ستكون حاجة الى نموذج اقتصادي – اجتماعي جديد يقوم على اساس تعاون من نوع آخر بين القطاع العام والقطاع الخاص.
ولكن إعادة وضع الدولة في مركز حياتنا من شأنه أن يكون خطيرا ايضا. في السنوات الأخيرة رأينا الشعبوية ذات نزعة القوة تتفشى في كل ارجاء العالم. أزمة الكورونا وما بعد الكورونا ستفاقم جدا هذا الميل. والعودة الى القومية ستنتقل الى القومية المتطرفة. والعودة إلى المحلية ستشجع الانغلاق. إحساس الرعب والحاجة إلى الأمان سيسحقان الديمقراطية. اما انحلال النظام العالمي القديم فسينبت قوى ظلامية وهزال الوفرة سيؤدي الى الفوضى. وعليه فستكون حاجة الى الدولة القومية كمبنى تنظيمي قوي وقيمي قادر على أن يواجه هذه التحديات الهائلة. ولكن ستكون بالتالي حاجة للضمان أن تكون الدولة القومية دولة ديمقراطية تحمي المجتمع المنفتح والتنور.
هكذا بحيث أن التحدي العالمي للعام 2020 هو تحدي القومية المتنورة. كيف نعود الى القومية ونستقبل القومية دون أن نتدهور الى القومية المتطرفة، ذات نزعة القوة وكراهية الاجانب. والتحدي الإسرائيلي للعام 2020 هو تحدي الرسمية الجديدة. كيف نبلور هنا رسمية القرن الواحد والعشرين التي ترص صفوفنا من جديد كامة في الوقت الذي تحترم فيه كل فرد. كل تجمع اهلي وكل قبيلة. ان خليطا من القومية المتنورة مع الرسمية الجديدة هو الذي ينبغي أن يشق الطريق لاعادة بناء دولة إسرائيلية قومية، ليبرالية وديمقراطية تخدم كل مواطنيها وتمنع المساواة الكاملة لكل اقلياتها.
لقد جاءت حكومة الوحدة 2020 وكأنها كي تؤدي هذه المهمة الكبرى. بالضبط مثلما انقذتنا حكومة بيرس – شمير في 1985 من خراب اقتصادي من خلال خطة الاستقرار الاقتصادي، فان حكومة نتنياهو – غانتس ملزمة بان تنقذنا من خراب اجتماعي من خلال خطة استقرار رسمية. بالضبط مثلما قضت حكومة بيرتس – شمير على التضخم المالي العظيم من خلال تغيير بنيوي عميق فان حكومة نتنياهو – غانتس ملزمة بان تقضي على البطالة الجماعية المرتقبة من خلال تغيير بنيوي مضاد. بعد 35 سنة صممت فيها حياتنا وفقا للفكر الليبرالي الجديد للعام 1985 فان علينا أن نعيد تصميمها وفقا لفكر جديد.
أولا وقبل كل شيء، مطلوبة خطوة اقتصادية جريئة. فالحكومة الجديدة ملزمة بان تحرر اليد المقبوضة لسابقتها وان تبلور رزمة مساعدة سخية (مثلما فعلت معظم دول الغرب). ولكن عشرات المليارات اللازمة محظور ان نبذرها. هناك حاجة لاستثمارها في الدفع الى الامام بثورة البنى التحتية الإسرائيلية. هذا هو الزمن لتنمية شبكة مواصلات حديثة تربط المحيط بالمركز. هذا هو الزمن لاقامة مدن جديدة في الجنوب وفي الشمال. هذا هو الزمن للمبادرة الى بناء مليون شقة ستحل ضائقة السكن في غضون عقد. وهذا هو الزمن لرفع مستوى الجهاز الصحي وجهاز التعليم. كل هذا يجب عمله في ظل ايجاد التوازن السليم بين المبادرة القومية وبين المبادرة الخاصة وفي ظل تشجيع السوق الحرة، النشاط التجاري، الحداث والابداعية التي حولت إسرائيل الى معجزة اقتصادية.
ولكن فضلا عن الخطوة الاقتصادية تلزمنا سلسلة خطوات استكمالية. فنحن ملزمون برفع مستوى خدمات الدولة كي لا تهبط نجاعتها عن نجاعة الشركة التجارية. يجب تغيير شكل عمل الحكومة، الكنيست وخدمة الدولة وذلك لضمان قدرة الحكم الديمقراطية. من الواجب ترتيب شبكة العلاقات المهزوزة بين السلطة المنتخبة، السلطة التنفيذية والسلطة القضائية. ينبغي دمج الاقلية العربية الكبرى والاقلية الأصولية الكبرى بشكل كامل في حياة الإسرائيليين. فقد حان الوقت لصياغة ميثاق إسرائيلي جديد يوازن بين الحقوق والواجبات، بين الحرية والمسؤولية وبين قدسية الفرد وبين الالتزام بالعموم. كل هذه يفترض بها أن تخلق هامشا انسانيا، قيميا ومؤسساتيا يعيد تعريف العلاقات بين الدولة ومواطنيها وبينهم وبين أنفسهم. عليهم أن يجعلوا إسرائيل دولة التكافل المتبادل.
لقد كان عاموس عوز يقول انه بينما كان مؤسسو إسرائيل مهندسين، سيكون خلفاؤهم مقاولين. الازمة الإسرائيلية العميقة للعقد الاخير وازمة الكورونا لهذه السنة تستوجبان منا ان نعود الآن الى الهندسة. نحن ملزمون باعادة تعريف هويتنا، قيمنا، اهدافنا الوطنية. لبنيامين نتنياهو وبيني غانتس توجد الآن فرصة لمرة واحدة في الحياة لصنع التاريخ. اذا ما فوتاها، فان التاريخ لن يغفر لهما. ولا ناخبوهما ايضا.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock