أفكار ومواقف

إصلاح العقيدة الاقتصادية الوطنية

كالعادة لا تتوفر أرقام نهائية تقدم من أجل الحديث عن النحاس في محمية ضانا، بداية أتى رقم فلكي يتحدث عن قرابة 45 مليون طن، ليتشكك في الرقم الكاتب باتر وردم، فالرقم الذي يضع الأردن في المرتبة السابعة على مستوى احتياطيات النحاس في العالم ليس من المعقول تركزه في مساحة 40 كيلومترا مربعا، وبعدها يخرج ماهر حجازين مدير عام سلطة المصادر الطبيعية متحدثاً عن عوائد مبيعات متوقعة للدولة تتراوح بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار خلال 20 إلى 25 سنة، بما يعني أن الكمية أقل من مليون طن من النحاس في المنطقة.
العائد السنوي المتوقع يدور حول 150 مليون دولار أميركي، والتضحية هي قضم جزء من الغطاء النباتي والحيواني النادر في المنطقة، وعند الحديث عن الطبيعة في الأردن يجب الالتفات إلى أنها الحاجز الأخير أمام التصحر لمنطقة واسعة قريبة من حوض المتوسط، وتكلفة التصحر باهظة للغاية في المقابل، خاصة مع تغيرات مناخية قادمة، ولكن يهون التصحر الفعلي أمام التصحر الفكري الذي يخرج بالحديث عن النحاس بوصفه حلاً ذهبياً لمشكلة اقتصادية.
من يتحدث عن التعدين والبيع لا يدرك أن دولاً كثيرة في العالم راهنت على قطاعات تعدينية من غير نتيجة مثل الكونغو وتشيلي، والنموذج الذي يسعى الأردن إلى تحقيقه هو نموذج إنتاجي، وليس علينا أن نتحدث عن كوريا الجنوبية وعلى مسافة قريبة التجربة (الإسرائيلية) التي استطاعت أن تتقدم في ظل نفس الشح في الموارد الطبيعية القائم في الأردن.
توجد لدينا مزايا طبيعية تتمثل في الثراء المناخي، ومؤخراً بدأت تظهر ثمار الأفوكادو المنتجة في الأردن، على الرغم من أنها ثمار عنيدة وتحتاج إلى طبيعة خاصة، ومع أنها خيار ليس بالحصيف لحاجته للماء بشراهة، إلا أن المثل الذي يمكن استخلاصه هو وجود مناخات الفصول المختلفة في الأردن نتيجة التباين في الارتفاع عن سطح البحر من البحر الميت إلى جبال عجلون وجرش.
نحتاج تكنولوجيا المياه، وقوانين وإجراءات صارمة تخفف من سلطة الوسطاء والسماسرة في المجال الزراعي، ولكن قبل ذلك، نحتاج إلى ثقافة كاملة، ولنحاول الإفادة من ثقافة الكيبوتس التعاونية التي تعتبر عاملاً مؤسساً في عقيدة الاقتصاد الإسرائيلي، وأمام نسب بطالة كبيرة تحتاج إلى الانخراط في عمل ذي قيمة اجتماعية تحت رعاية حكومية في حدها الأدنى لماذا لا نفكر في إطلاق التعاونيات الأردنية في مختلف الأنحاء؟
أين تذهب الأفكار؟ أين تختفي؟ مثلاً، تحدث رئيس مجلس الأعيان عن تخصيص أراضٍ للشباب في وادي عربة وحوض الديسي، ولكن التطبيق العملي يبدو بعيداً، ومن يتصدر المشهد في الحديث عن الخطط الحكومية يمثلون الفريق الريعي الذي يستسهل اللجوء إلى منطق الصفقات على الرغم من معرفتهم بعجزه عن تحقيق الاستدامة؛ لأن الغلة المتأتية تذهب لمعالجة مشكلات مالية مُرحّلة وأخرى حديثة، دون أن يمثل ذلك حلاً اقتصادياً.
المحميات الطبيعية يجب أن تتحول إلى مقدمة من أجل تعاونيات متكاملة، ويجب أن تتوسع، أما التعدين فإنه يحتاج إلى عمليات تنقيب واسعة في البادية الأردنية تتطلب وجود مستثمرين يتعاملون مع اجراءات سهلة ويتحصلون على مزايا معقولة، وإلا فإن قضم القلب الأخضر والعمق السكاني للأردن سيستمر وسنتحمل تكلفة عالية لتعويضه.
علينا أن نفكر في عقيدة اقتصادية جديدة تستطيع أن تستوعب الواقع القائم وخريطة الثروات والفرص الأردنية، لا أن تقود فكرة المديونية والعجز اقتصادنا لنعاود السقوط مجدداً ودائماً في الفخ نفسه الذي يعتبر فرصة بالنسبة للدائنين.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock