أفكار ومواقف

إصلاح القطاع العام.. الطريق الصعب!

عندما ننظر إلى مؤشرات التنافسية الدولية التي تصدرها مؤسسات الدولة التي لا تتطور، وعندما نتحدث عن معوقات الاستثمار والإجراءات غير المبررة وسلوك بعض الموظفين الرسميين، يمكن لنا أن نتلمس أسباب صعوبة تحقيق التحسن من خلال مقاومة التغيير التي يظهرها العاملون في هذا القطاع على اختلاف مستوياته.
ومع إلغاء ما تم التعارف عليه بـ”المنحنى الطبيعي” لتقييم موظفي القطاع العام، وما سبقه من إلغاء وزارة تطوير القطاع العام، هناك اعتراف ضمني أن وجود وزارة أو مؤسسة تأخذ على عاتقها هذه المسؤولية لم يفضِ إلى أي نتائج يمكن البناء عليها. ولكن إلغاء وزارات أو مؤسسات لا يعني أن هناك تغييرا جذريا، وإن كان السعي لمقاربة جديدة مفهوما، إلا أن أدوات تنفيذ ذلك، ومنح الأمل بأن هناك تغييرا حقيقيا ليسا واضحين بعد.
إن تجارب الدول التي نجحت في تحقيق نمو اقتصادي خلال فترات قصيرة نسبيا، سواء في أوروبا الشرقية أو غيرها من الدول مثل ماليزيا وسنغافورة، قد أخضعت القطاع العام إلى عمليات جراحية ووضعت شروطا صارمة لتقييم الأداء، واقترن ذلك بسلسة من الحوافز التي شجعت على إعادة تأهيل موظفي القطاع العام ومنحهم حوافز مادية ومعنوية تكافئ من يعمل ويجد في مجال الخدمة العامة وتحاسب المقصر.
ولنكن صريحين، لم يعد القطاع العام جاذبا للكفاءات، ولم يعد المتميزون من خريجي الجامعات يرغبون بالبقاء طويلا في العمل الحكومي، رغم الاستقرار الوظيفي الذي يتمتعون به، والسبب هو أن هؤلاء الذين نرغب أن يقودوا العمل الحكومي وينتقلون به إلى مستويات جديدة تأخذ بعين الاعتبار التطورات الصناعية والمتغيرات المرتبطة بثورة البيانات والذكاء الاصطناعي وغيرها، يفضلون المغادرة حيث توجد فرص مجزية أكثر. وهذا يتناقض مع ما نشهده في الكثير من الدول التي تحاول مواكبة المستجدات وتعزيز تنافسية اقتصادها.
المسألة الثأنية ترتبط بالطريقة التي نعين ونختار بها موظفي القطاع العام والضغوط السياسية والاجتماعية التي يتعرض لها المسؤول الحكومي من قبل فئات عديدة للتعيين والترقيات. وليس غريبا وجود القوائم الطويلة لـ”الخدمة المدنية” لكثيرين بعد سنوات من التخرج، مع أننا نعرف أن المهارات اللازمة لشغر الوظائف الجديدة ليست متوافرة.
لتحقيق تقدم في هذا المجال، لا بد من خطوات عملية تبدأ من أسلوب التعيين الذي يجب أن يشهد ثورة على المعايير التقليدية، فالموظف في القطاع العام يقضي نحو عقدين من الزمن في الخدمة، والخطوة اللاحقة ترتبط بتعزيز مؤهلات العاملين الحاليين ضمن برامج جديدة، وليس على غرار ما كان يقدمه معهد الإدارة العامة الذي تأسس لتلك الغاية وثبت فشله.
ويمكن الاستمرار بسرد ما يستوجب عمله، فلم يعد محتملا أن نستمع لقصص الشكوى من رجال الأعمال، والشباب الرياديين، وغيرهم من المستثمرين الأجانب بسب إعاقات ليس لها داعٍ، ولا تكلف الخزينة، بل تمثل الواجب الذي يجب أن يقوم به موظف القطاع العام.
ليس جديدا موضوع إصلاح القطاع العام؛ الذي استجد هو أن الظرف لم يعد يحتمل، فهذه خطوة أولى لتحقيق النجاح في أي محور من البرامج التي نود تنفيذها.
من الخطأ الافتراض أن القدرة على تنفيذ الرؤى موجودة لدى القطاع العام، هناك حاجة لبناء القدرات، ونظام حوافز وعقوبات. وقصص النجاح في بعض المؤسسات الحكومية هي التي يجب التمثل بها والبناء عليها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock