أخبار محلية

إضافة عقد المقاولات إلى مفهوم الجرائم الواقعة على الإدارة العامة

المحامي أحمد طهبوب

نشر في تاريخ 12/10/2021 في موقع ديوان التشريع والرأي عدد من التعديلات القانونية التي تخص قانون العقوبات من بين تشريعات أخرى.

وتضمنت المسودة فيما بين تفصيلاتها تعديلا للمادة المتعلقة بالاختلاس والاستثمار الوظيفي؛ لتشمل عقود المقاولات والتوريد بجرم تصل عقوبته إلى الأشغال الشاقة ومضاعفة الغرامة ومضاعفة المبالغ المستوفاة ضمن مفهوم تشريعي فضفاض. ويتضمن هذا المفهوم العقوبة الجزائية الرادعة المترتبة على عدم الرضا من قبل أي مرفق عام عن أي مقاول.

وهذا التجريم مبني على فعل هو في أساسه عقد مدني، منظم سنداً لأحكام القانون المدني ومفصل ببنوده بمفاهيم هندسية مستقاة من قواعد هندسية دولية تخص عقود الإنشاءات، ومنها على سبيل المثال (منظومة الفيديك لعقود الإنشاءات).

وإنني في هذا الجانب أؤكد أن قطاع المقاولات قد شرع في ترهل واضح ناجم عن نقص في السيولة وقلة في عدد المشاريع المنجزة على مدار السنوات العشر الأخيرة، مما أدى بغالبية المهندسين والمقاولين والكفاءات العاملة بالانتقال إلى الخليج ودول الجوار وما توفر لها من سوق العمل، وكأن هذا التابوت ينقصه دق إسفين أخير يتضمن التلويح بعقوبة الأشغال الشاقة في أي حالة يقوم فيها المرفق العام بإبداء عدم رضاه عن توريد أو تنفيذ لعقد مقاولة خاص بإنشاء طرق أو أبنية أو بنية تحتية.

لا يوجد أي مبرر تشريعي للخلط ما بين مفاهيم العمل المدني (وإن تضمن مرفقا عاما)، وما بين العقوبات الرادعة التي تتضمنها النصوص المتعلقة بالإدارة العامة. وان تشبيه المقاول بموظف الإدارة العامة هو رفع لشأنه من جانب… ولكنه سلبي الأثر لتضمينه الحبس والأشغال الشاقة دون إضفاء المزايا الأخرى المضافة لجميع من يقوم بأداء مهامه دون ضمان النتيجة (أي موظف القطاع العام). والسبب يكمن في التالي:

1 – إن الاختلاف على مضمون المواصفات الفنية هو مصطلح فني فضفاض يعتمد على وجهة النظر في معناه أو متطلب تنفيذ هذه المواصفة أو الشرط التعاقدي.
2 – إن نقص المخططات الذي أشرنا إليه في مقالات سابقة قد تكرر بعدة مشاريع دون أن يتم ملاحقة من تسبب بها من دوائر تخطيط أو تنظيم في المرافق العامة أو الأشخاص المسؤولين عن طرح العطاء ونواقصه، لاسيما وأن المظلة التنظيمية والتخطيطية في البنية التحتية لغالبية المشاريع غير مكتملة.
3 – إن مجموعة الأوامر التغييرية التي تصدر عن مرافق الدولة المختلفة في أكثر من مشروع ولأكثر من مقاول؛ تخلو عادة من تفاصيلها وتتطلب سرعة الإنجاز انصياعا للواجبات التعاقدية للمقاول. وبالتالي فإن ما يتم تنفيذه بالشكل الأعم، وإن كان تنفيذ لالتزامات تعاقدية من قبل المقاول.. يمكن بسهولة تفسيره بأنه لم يتم حسب الأصول عند الاستلام أو في مرحلة إجازة هذه الأعمال.
4 – إن عدم التسامح من قبل الجهات الرقابية بالوضع الطبيعي: يحيل أي عمل منجز بشكل مقبول (وإن لم نتفق على أنه قد تم إنجازه بشكل كامل) بوصفه بالنقائص والغش… وهذا سيكون مبررا لإشغال العديد من المدعين العامين، وإضفاء صفة موقوف على غالبية المسجلين حاليا في نقابة المقاولين أو العاملين منهم في التعاقدات بالباطن لدى أي من المقاولين.
5 – إن هذا الشأن التشريعي الذي قد يبدو في ظاهره مبنيا على فزعة ولم يبن على تخطيط ودراسة يدمج ما بين الشخص الاعتباري الذي يتعاقد بصفة مؤسسة أو شركة مع القطاع العام ومرافقه ويخلق فجوة من أساسها لم تبن على فهم قانوني واضح، لأن الأفعال الجزائية تنسب للأشخاص الطبيعيين ولا تنسب فيها النوايا والإرادة للأشخاص المعنويين.
6 – إن العصا المرتبطة بعدم تنفيذ الالتزامات هو خلط واضح ما بين الالتزامات المدنية والعقوبات الجزائية التي تفرض عليها علاوة على أن هناك العديد من النصوص الخاصة بعقود المقاولة والمتعلقة بالأعمال التجارية.

والسؤال: هل الأصل أو المقصود في هذا النص أن يتم الالتزام بغض النظر عن دفع الحكومة.. مع الضائقة المالية التي نعلم بها ويمر بها القطاع العام حاليا؟ وهل سنتحول في عقود الإنشاءات من مفهوم الطرف التعاقدي الحر الذي كنا نتفاخر بأننا من أوائل الدول العربية التي تقدمت بمفهوم ديمقراطي للتعامل مع الأفراد ومؤسسات القطاع الخاص على مدى الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ونعود في بداية العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن الى مفهوم الترهيب ؟ وهذا شأن مؤسف تشريعيا.

وهل في هذا المفهوم تناقض مع قرار ديوان تفسير القوانين في المبدأ رقم ( 8/1959 ) الذي أوضح في قراره بأن العلاقة التعاقدية بعقود المقاولات ليست من الأموال العامة التي تحصل بطرق جبرية.. والعديد من قرارات محكمة التمييز التي نفت صفة المال العام عن حماية العقد، انه بلا شك عودة إلى الوراء دون تأمل.

وان كان الهدف من هذا الرقي بقطاع الانشاءات، واستبقاء الجيد منه فيه تنفير للعمل الأجنبي في أردننا الحبيب.. وفيه هروب محتمل لمن أدى عمله بأمانة خوفا من أي خلاف تعاقدي أو مالي قد يودي به الى السجن.. وإبقاء السيئ الذي لا يهمه المخاطرة.

نأمل أن تتم مراجعة كامل النصوص المعدلة بفكر تشريعي يخلو من الترهيب أو التسرع إرضاء أو حلا لمشكلة، والسعي الى تحقيق سياسة تشريعية متوازنة تحمي جميع أطراف المعادلة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock