ترجمات

إضفاء الطابع الديمقراطي على الخروج البريطاني

يانيس فاروفاكيس*

من المؤسف أن الاستفتاءات غير مصممة للاختيار بين خمسة بدائل متميزة والفصل بين التداعيات المنطقة المترتبة على كل من هذه البدائل وبين التفكير الذي يقوده التمني. وحتى لو جرى توظيف آلية تصويت تفضيلية؛ حيث يرتب الناخبون تفضيلاتهم من واحد إلى خمسة على ورقة الاقتراع، فإن عملية الاستبعاد المتعاقب للخيارات الأقل تفضيلا ستكون ميكانيكية في يوم الاستفتاء، فتستبعد أي مناقشة بين جولات من الاستبعاد.
*   *   *
أثينا- مع اقتراب المواعيد النهائية وإعادة رسم الخطوط الحمراء المحيطة بانسحاب المملكة المتحدة الوشيك من الاتحاد الأوروبي، “بريكسيت”، يتحتم على الشعب البريطاني أن يستعيد السيطرة الديمقراطية على عملية مبهمة وغير شفافة وحمقاء إلى حد السخف. والسؤال هو: كيف؟
من غير الممكن أبداً أن تطمح الديمقراطية إلى أن تكون أكثر من مجرد عمل جار ومتطور. ولا بد من إعادة تقييم القرارات التي تتخذ بشكل جماعي جماعياً على نحو لا ينقطع وفي ضوء الأدلة الجديدة. ومع ذلك، في ظل الظروف الحالية التي تمر بها المملكة المتحدة، لا شيء قد يكون أكثر سُـمّية للديمقراطية من إعادة النظر في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من خلال اللجوء إلى إقامة استفتاء ثان.
يشعر الجانبان؛ أنصار الخروج والداعون إلى البقاء، بألم الخيانة. فعلى الرغم من أن المقصود من الخروج البريطاني كان استعادة السيادة، فإن البرلمان لم يكن له أي رأي حقيقي في العملية التي ستحدد مصير بريطانيا لعقود من الزمن. وقد وقع الاسكتلنديون وأهل أيرلندا الشمالية رهينة لخصومة إنجليزية بامتياز، وهو ما قد يلحق بهم أضراراً جسيمة. ويشعر الشباب بأن الكِبار اختطفوا مستقبلهم، في حين يشعر كبار السن بأن حكمتهم المتراكمة ومخاوفهم المشروعة أصحبت موضع تجاهل من قِبَل أطراف داخلية مطلعة تعقد صفقات فاسدة من خلف أبواب مغلقة نيابة عن أصحاب المصالح الخاصة. وباختصار، تواجه الديمقراطية البريطانية الإخفاق في الاختبار الأحدث والأكثر صرامة الذي تخضع له حتى الآن.
لكن من غير الممكن أن يصلح إجراء استفتاء جديد كإجابة على الكارثة الجارية التي أحدثها الاستفتاء الأصلي. ففي حزيران (يونيو) من العام 2016، كان اختيار صارخ مطروحاً على الشعب البريطاني: ترك الاتحاد الأوروبي أو البقاء فيه. وعلى الرغم من أن المرء قد يشكك في الحكمة من تحديد مثل هذا الاختيار الجماعي عن طريق الاستفتاء، فإن تماسك المؤسسة المنطقي لم يكن محل نزاع قط.
بمجرد صدور الحكم وإطلاق العملية المنصوص عليها في المادة 50 من معاهدة لشبونة، لم يعد من المتاح أي خيار ثنائي بين القبول أو الرفض لإخراج بريطانيا من الفوضى. وفي واقع الأمر، هناك الآن خمسة خيارات على الأقل يجب تقييمها بشكل جماعي.
الآن، يقود بوريس جونسون وأنصار الخروج، من دون اتفاق، حملة لدفع بريطانيا إلى الإبحار بعيداً عن الاتحاد الأوروبي، ثم السعي بمجرد الخروج إلى إقامة علاقة مع الاتحاد الأوروبي أشبه بتلك التي أبرمتها كندا مع الاتحاد مؤخراً. وتلتزم رئيسة الوزراء تيريزا ماي باستراتيجية الداما التي تتمثل في دفع الاتحاد الأوروبي إلى قبول علاقة تحاكي العضوية، لكنها تترك للمملكة المتحدة درجات من الحرية، والتي تصر السلطات الأوروبية على أنها لن تمنحها إياها. ويقترح حزب العمال أن تظل المملكة المتحدة ضمن الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي، ولكن ليس داخل السوق الموحدة. وينادي اقتراح آخر، والذي أدعمه أنا شخصياً، كما تدعمه حركة الديمقراطية الأوروبية DiEM25، بأن تترك المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي، وإنما تبقى في كل من الاتحاد الجمركي والسوق الموحدة لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد بالتراضي. وأخيراً، هناك بالطبع الطموح إلى البقاء بشكل كامل داخل الاتحاد الأوروبي.
لا بد لأي إعادة تقييم ديمقراطية في قرار مغادرة الاتحاد الأوروبي أن تتضمن هذه الخيارات -وربما غيرها أيضاً. ولا بد أن تكشف أيضاً عن التناقضات التي تحيط بالمقترحات البارزة. على سبيل المثال، لا بد أن يكون تصويت الناس عن اطلاع على العواقب المترتبة على “الدعم الأيرلندي” الذي وافقت عليها تيريزا ماي بالفعل مع الاتحاد الأوروبي (والذي يضمن عدم وجود حدود بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا). وبشكل خاص، لا تتفق الحلول على الطريقة الكندية مع تسوية الطلاق الناجحة، ولا تتفق مع الإبقاء على أيرلندا الشمالية في الاتحاد الجمركي مع بقية المملكة المتحدة.
من المؤسف أن الاستفتاءات غير مصممة للاختيار بين خمسة بدائل متميزة والفصل بين التداعيات المنطقة المترتبة على كل من هذه البدائل وبين التفكير الذي يقوده التمني. وحتى لو جرى توظيف آلية تصويت تفضيلية؛ حيث يرتب الناخبون تفضيلاتهم من واحد إلى خمسة على ورقة الاقتراع، فإن عملية الاستبعاد المتعاقب للخيارات الأقل تفضيلا ستكون ميكانيكية في يوم الاستفتاء، فتستبعد أي مناقشة بين جولات من الاستبعاد.
يشكل الاستفتاء الثاني تهديداً ثانياً للديمقراطية. فمنذ سبعينيات القرن العشرين، عندما بدأت النيو-ليبرالية في تقليص مجال اتخاذ القرار الديمقراطي وحولت كل الاختيارات السياسية المهمة إلى مؤسسات مالية وسلطات “مستقلة” غير منتخبة (البنوك المركزية على سبيل المثال)، شعر الناس عن حق بأن التصويت مجرد ممارسة طقسية لإثبات الصحة القانونية للقرارات التي تتخذها أي مؤسسة خارج سيطرتهم. وكان الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي استثناء نادراً. فكان الإقبال الكبير من قِبَل الناخبين علامة بارزة في المشاركة، مع تصويت أكثر من 17 مليون شخص -الكثيرون منهم لأول مرة في حياتهم- ضد رغبة كل المؤسسات الرسمية في الدولة.
إنه لأمر مؤسف للغاية، في اعتقادي، أن يقرر الناس إعادة اكتشاف سلطتهم من خلال دعم الخروج من الاتحاد الأوروبي. فمن غير الممكن من منظورنا نحن الذين عارضنا الخروج البريطاني (لكننا نسعى حثيثا أيضاً إلى إعادة تنشيط الديمقراطية) أن ندعم إجراء استفتاء ثان ينبئ هؤلاء الناس في الأساس بأنهم “اتخذوا قراراً غير صحيح. والآن يتعين عليهم أن يعودوا إلى إصدار الحكم الصحيح”. إذا فعلنا ذلك فإننا بهذا نؤكد شكوكهم في أن الديمقراطية لا تُحتَرَم إلا عندما يلقون هم معاملة غير محترمة. والمستفيدون الوحيدون في النهاية هم بوريس جونسون وأمثاله، الذين يريدون أن تظل الأغلبية الصامتة صامتة، ورجعية، ومرتبكة إلى حد الذهول في حين يمارسون هم الحكم.
إذا لم يكن الاستفتاء الثاني هو السبيل إلى استعادة الشعب البريطاني للسيطرة على عملية الخروج، فإين السبيل إذن؟
الجواب، كما دعا زعيم حزب العمل جيريمي كوربين، هو إجراء انتخابات عامة فورية، يخوضها المرشحون على كل القضايا ذات الصِلة في نفس الوقت، ويقدمون البدائل المختلفة بالكامل. ويجب أن لا يدور التصويت القادم على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فقط حول تفضيلات الناس بشأن مسار الخروج، بل وأيضاً حول مزيج السياسات الاقتصادية والاجتماعية وسياسات الإصلاح المؤسسي التي ترافقها.
إنه لواجب علينا جميعاً أن نبادر إلى توضيح مقترحاتنا بدقة. ومن أجل تنشيط الديمقراطية وإنهاء سُمّية عملية الخروج البريطاني الحالية، أعتزم أنا وحركة DiEM25 دعم إدراج المملكة المتحدة في السوق الموحدة والاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي لفترة خمس سنوات قابلة للتجديد. وخلال هذه الفترة، سيكون تنفيذ بيان حزب العمال الراشد الرصين كفيلاً بالتخفيف من الأضرار التي لحقت بشعوب إنجلترا، واسكتلندا، وويلز، وإيرلندا الشمالية بفعل ممارسات رأسمالية صالونات القمار ذات الطابع المالي التي انتهجتها حكومات المحافظين والعمال المتعاقبة.

* وزير المالية الأسبق في اليونان، وأستاذ علوم الاقتصاد بجامعة أثينا.
*خاص بـ “الغد”، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock