أفكار ومواقف

إعادة اختراع الحكومة

المجتمعات تبدأ بتكوين الدول، والدولة بدورها تستكمل تشكيل المجتمع، فالدولة تاريخيا تأخذ لون المجتمع ورائحته وطعمه وتنسج من كل ذلك ما يسمى الهوية، إنها صيغة لإحلال النعمة الاجتماعية التي يمتلكها المجتمع ولا يتمتع بها إلا حينما تدخل في سياق التنظيم الاجتماعي الكبير أي فكرة الدولة، غير ذلك تكون المجاميع البشرية رعاعا، والنعمة الاجتماعية تتمثل في القدرة على التجدد اي القدرة على التغيير، وكلما فقدت الدولة قدرتها على التجدد اي الاستثمار في النعمة الاجتماعية أصابتها الشيخوخة والعجز والترهل واقتربت إلى الموت.
لا يمكن الفصل بين المجتمع والدولة بالسكين، ولكن اللعبة عبر التاريخ في أن القوة الخام تكمن في المجتمع ولا قيمة فعلية لهذه القوة بدون القدرة على تنظيمها ومنحها معنى اجتماعيا. وبالتالي فإن التجديد في العلاقة بين المجتمع والدولة ضرورة للبقاء. فالدولة التي تسعى إلى الاستقرار والاستمرار عليها ان تعيد النظر في عناصر مزيج القوة الاجتماعية ليس بهدف احداث انقلابات اجتماعية في توزيع القوة الاقتصادية والسياسية بل في تجديد مصادر هذه القوة ومنحها القدرة على التراكم والتحول الكيفي، بالاستفادة من القانون الاجتماعي الذي يقول ان المجتمع كائن حي يجدد نفسه.
ظهر مصطلح “إعادة اختراع الحكـومـة ” في مطلع التسعينيات على أيدي النخب الجديدة في الولايات المتحدة حينما شرعت منفردة آنذاك في وضع أسنان ماكنـة العولمـة في جسد العالم المطلوب منـه التغير في نمط واحد يسهـل استثماره واعادة إنتاجه. ولا بد من الإشارة منذ البدايـة إلى ان هذا التيار التاريخي المشغول بتغيير شكل ومضمون الحكـومـة ليس كلـه شر وان فيه العديد من الشرور، بل هـو بنيـة تاريخيـة لها ظروفها، وضمن هذا الاطار ظهر مفهوم الحوكمة وتيار الرقمنة والمزيد من اللبرلة الاقتصادية والسياسية وفصل الحكومة تماما عن السوق، وبعد مرور ثلاثة عقود على مفهوم اعادة اختراع الحكومة بات الحديث مجددا ان ليس كل ما ذهب اليه هذا التيار قد أتى بنتائج مجدية بل ان خيباته اكبر من نجاحاته وان دعاته قد غيروا من قناعاتهم.
تأتي هذه المقدمـة لتوضيح حجم التحولات التي لا تقتصر على العناوين الكبيرة بل تصل إلى التفاصيل الدقيقـة، فالعالم يتبدل وربما سوف يتغير عما قريب بشكل كبير، حيث تلقي هذه التحولات بزخمها على المجتمعات الطرفيـة التي تحاول التكيف معها أو الاستجابـة المرنة والحذرة أحياناً، وهذا ما يحدث بالفعل في الأردن تارة باندفاع وتارة أخرى بحذر وقلق، المفارقـة الحقيقـية تكمن في ان سياق التحولات المطلوبة والمرغوبة وفي مقدمتها الخلاص من الممارسات الريعية الا ان نموذج إعادة اختراع الحكومة أعاد إنتاج الريعية بطريقته، واختزل الحوكمة، وهذا يفسر جانبا من عمليـة تحول اجتماعي مؤلم نشهدها منذ منتصف التسعينيات، لن يستطيع مجتمع في ظروف وتكوين المجتمع الأردني تحملها حتى النهايـة إذا لم يتم اختراع تعديلات تبرز خصوصية التنمية وهويتها، فالحوكمة الجديدة واعادة اختراع الحكومة تصل إلى تحويل السلطة التنفيذية إلى مجرد حكم محايد بين آليات السوق، حينما تجرد من وظائفها التاريخيـة وتراثها في ترسيخ العدالـة الاجتماعية، أي تفريغ مفهوم الدولـة من كينونتها التاريخية وتحويلها إلى كائن رمزي هزيل.
المسار الإجباري للتحولات التي يشهدها العالم في هذه الظروف التاريخيـة يحتمل أيضا طرقا فرعيـة أخرى يمكن من خلالها إعادة صياغـة الحكم الرشيد بخصوصيـة تحفظ ماء الوجـه، فآخر ما وصلت إليه الأمم المتحدة في آخر عقدين اعتبار ضمان كرامـة الشعوب غايـة التنمية وأساسها، دول عديدة في عالم ما بعد الازمة الاقتصادية 2008 مارست اعادة اختراع الحكومات لكن كل على مقاسه وظروفه.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock