أفكار ومواقف

إعادة اكتشاف الدستور

من المفترض أن الدساتير الديمقراطية تعكس الأساس المتين لفكرة العقد الاجتماعي بين المجتمع والدولة. لذا، فإن هذه الدساتير بحاجة إلى توافق وطني حقيقي، يمكن أن تبنى عليه عمائر الديمقراطية، وإلا بقي كل ما يشيد باسم الديمقراطية ومن أجلها معلقا في الهواء، على نحو ما يحدث في التحولات العربية؛ ليس فقط منذ هبوب رياح الثورات العربية الأخيرة، بل حتى في تجارب بناء الديمقراطية بالقوة. ولدينا تجربة أزمة الحياة الدستورية في العراق، وما ألحقته خلال السنوات الماضية من هشاشة بالمجتمع والدولة.
التجربة الدستورية المصرية الجديدة في بدايتها، وهي حتما تختلف عن التجربة العراقية ونتائجها، كما تختلف عن التجربة التونسية. ولكل من هذه التجارب خساراتها من منظور فكرة العقد الاجتماعي الدائم، الذي تبني عليه الأجيال ديمقراطية متينة ودائمة.
الأسئلة العربية حول مصير التحولات في هذه المرحلة أكثر غموضا وإبهاما على الصعيدين الداخلي والخارجي، وفي المضامين السياسية والاستراتيجية، وحتى في المحتوى الثقافي والاجتماعي؛ كما تعكسها تجارب ومشاريع الدساتير العربية الراهنة. والأهم من ذلك كله مستوى التوافق الاجتماعي حولها. ولا شك في أن المجتمعات العربية لم تعرف خلال العقود القليلة الماضية إلا مظاهر الاحتجاج العنيف في التعبير عن التنازع مع السلطة. كما لا يوجد شك في أن الحركات الاجتماعية السلمية الجديدة كشفت بدورها عن أزمات حقيقية في المجتمع السياسي، وعبرت بقوة عن إفلاس الأحزاب السياسية العربية وأزمتها الخانقة مع الجماهير. وفوق ذلك، نجد أن المجتمع السياسي المعاصر، بكل مكوناته، يعجز في هذا الوقت عن صياغة الحد الأدنى من التوافق حول مبادئ العقد الاجتماعي؛ ما يعني حجم ما نحتاجه من دروس لكي نعيد اكتشاف فكرة العقد الاجتماعي وقيمة الدستور.
لا جديد في منهجين لهما الغلبة في إدارة إعادة تأسيس الحياة الدستورية في الحياة العربية الراهنة، وهما: منهج الاجتثاث والإلغاء والمحو؛ ومنهج الاستحواذ والإقصاء. الأمر ينطبق على الحالة العراقية، كما على الحالة المصرية بعد نحو ثماني سنوات. ولعل مراجعة حالة التعبئة الإعلامية التي قامت على الفكرتين السابقتين، فيها الدليل على ضعف العمق المجتمعي للبناء الدستوري. وللتذكير، فقد أدار الفرقاء حول الدستور في العراق، في العام 2005، حملات استقطاب طائفية وعرقية واضحة؛ إذ وظفت الحملة الدعائية الرسمية 61 صحيفة و22 محطة إذاعية وست محطات فضائية، وتم عقد 56 مؤتمراً و267 ندوة، وتوزيع واستلام حوالي 234 ألف استبانة حول الدستور. وبالنتيجة، مر الدستور في يوم صيفي هادئ، وشارك في الاستفتاء أكبر عدد متوقع، ولم يتغير شيء جوهري في مصادر القلق والكوارث المتتالية التي يواجهها العراق يومياً إلى الآن، لأن الدستور، وباختصار، لم يقدم أساسا متينا للعيش المشترك بين مكونات المجتمع.
رغم كل هذا الضجيج الإعلامي حول الدساتير الذاهبة والقادمة، ورغم الاستفتاءات والجدل الذي تديره النخب، لم تصل فكرة الدستور وقيمته الاجتماعية، قبل دوره السياسي، إلى عمق المجتمع؛ الأفراد والجماعات. لذا، سيبقى ما يحدث عبارة عن دوران في حلقات مفرغة، تتصارع فيها النخب، فيما يغيب الناس الذين يصنعون الحياة والسياسة معا.
ثمة أزمة في هذا الجزء من العالم؛ في فهم من يصنع السياسة، ومن يتحدث بشأنها!

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. غياب
    وصلت مجتمعات العالم الى وعي باهمية الدستور وقيمته منذ القرن الثامن عشر وعلى هذا الاساس بنت الحياة السياسية ، ما يحدث لدينا هو صراع بين النخب السياسية في غياب تام للجماهير

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock