منوعات

إعادة تدوير أشياء المنزل لمكافحة غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار

نصائح الجدات تتوارثها ربات بيوت يبدعن في ترشيد المأكل والملبس


 


جمانة مصطفى


 


عمّان- تستذكر أم عبدالله القاطنة في أحد البيوت القديمة في جبل عمان حقبتي الستينيات والأربعينيات من القرن الماضي وتربيتها لسبعة أبناء ذكور وابنتين قائلة “كان زوجي رحمه الله مفتشا في التربية آنذاك، وبرغم يسر الحياة آنذاك الا ان تربية تسعة أبناء ليست بالشيء السهل”.


وتعيد المرأة المدبرة شريط الذاكرة كبكرة فيلم سينمائي مهدية للزوجات الشابات عددا من الأساليب المتوارثة التي اتبعتها بهدف الاستفادة من أكبر قدر من الأشياء المنزلية وتحاشيا لصرف النقود إلا للضرورات.


“الملابس والأحذية لم تكن ترمى فما هو صالح منها يغسل ويحفظ إلى أن يتناسب مع مقاس الأخ الأصغر فالأصغر وهكذا دواليك، أما الملابس القطنية المهترئة فتقص وتخاط ويتم استغلالها كمماسح للمطبخ”.


ولا يفوت أم عبدالله (66عاما) تذكير النساء بأن المرطبانات الزجاجية وعلب البلاستيك وأكياس البلاستيك جميعها أشياء قابلة للاستخدام مرة أخرى.


تقول”لا يبدو الغرض التافه ذا قيمة إلا عند الحاجة، عندها قد لا تغني الأشياء المهمة عنه”. ولا يبتعد ما تقوم به أم خلف التي تجمع فتات الخبز والناشف منه وتضعه جميعه في كيس داخل الثلاجة لطبخة(الفتة)موضحة بلهجة مؤمنة “الخبز لا يرمى” عن سياق الهاجس المتعلق بالتوفير وتدبير شؤون العائلة.


وما تفعله مع بقايا الخبز لا تنجو منه كذلك قطع الدجاج الزائدة التي تستبقى لصنع ساندويشات المسخن أو الشاورما عقب استكمال النكهات اللازمة.


واستنادا الى مبدأ “عدم رمي الأطعمة” تسلق المرأة الخبيرة والأم لأربعة أولاد الخضار التي على وشك التلف وتجمدها في “الفريزير”.


وفي سيل من النصائح التي لا تنضب تنتقل أم خلف (55عاما) إلى الفواكه قائلة “إذا كانت التي على وشك التلف صغيرة، أصنع منها فطائر الحلوى بعد إضافة القرفة، أما إذا كانت كبيرة فأصنع منها المربى”.


وتؤكد أيضا أن “الطبيخ البايت” لا يرمى مؤكدة أنها نمت لدى أولادها وزوجها عادة عدم الطبخ قبل نفاد الطعام المتبقي من اليوم السابق.


وتشترك السيدتان(أم عبد الله وأم خلف) في إسداء بعض النصائح، خصوصا ما يخص التخزين والشراء بالجملة من الأسواق الشعبية، وتفريز الخضار في مواسمها، حتى أن أم عبد الله تعمد إلى عصر الليمون وتفريزه في مكعبات كالثلج تحاشيا لشرائه في موسم الغلاء.


كذلك تشير كلتاهما إلى أهمية الاستفادة ولو من أصغر مساحة من حديقة المنزل وزراعتها بما تيسر من الورقيات الخضراء كالنعنع والبقدونس والبصل الأخضر بما يكفي احتياجات العائلة ويزيد.


وبالإشارة إلى أم خلف ان الخضار الورقية ليست غالية الثمن أجابت في دفاعها عن وجهة نظرها “التوفير المنزلي يأتي من تجميع قرش فوق آخر”.


وقديما قالت العرب “الجبن والبخل صفتان مذمومتان في الرجال، محمودتان في النساء”، فهل ما سمي قديما البخل ظل يحتفظ بصفته هذه، ام انه يعد اليوم من أدوات البقاء المهمة وسط الظروف المعيشية الضاغطة وتدني مستوى الدخل؟


ومن جهته يشجع أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة اليرموك د. محمد الطراونة الأزواج الجدد سواء من ذوي الدخل المحدود أو المتوسط أو المرتفع على اللجوء إلى إعادة تدوير أشياء المنزل.


ويشير إلى”أهمية السلوك العقلاني الذي يتعمد الحصول على أفضل اشباع ممكن للاحتياجات من خلال الاستخدام الأمثل للوسائل المتاحة بحيث تقل مصاريف الأسرة مقابل هذا الاشباع”.


وفي دراسة أعدتها أستاذة ورئيسة قسم علم نفس الطفولة بجامعة الأزهر د. سامية الجندي ونشرت على موقع إسلام أون لاين تشدد الجندي على ضرورة إشراك الطفل أيضا في تحمل مسؤولية الظروف الاقتصادية للأسرة.


وتوضح أن استيعاب الطفل للصعوبات المادية يكون من خلال اشراكه بوسائل التوفير فيها. تقول الجندي “المحافظة على نقطة المياه، وأيضا الكهرباء وغيرها تجعل الطفل يقدر قيمة أي شيء مهما كان قليلا، فنعوّد الطفل على عدم إلقاء الطعام، فما يتبقى عندنا من الطعام نحتفظ به لنستخدمه في اليوم التالي”.


إلا أن الفقر لا يبدو الدافع الوحيد لاتباع ربات المنازل هذه الوسائل المبتكرة، بل يأتي الخوف من الفقر والتحسب من الحاجة كدافع أولي أيضا، كما يرى رئيس تحرير مجلة المستور الشهرية أحمد أبو خليل “إعادة تدوير أشياء المنزل لا يتعدى كونه نوعا من التحايل على الظروف الصعبة بل وربما التغلب عليها”.


ويصف أبو خليل الأساليب التي يلجأ إليها الفقراء لزيادة دخلهم أو الحد من مصاريفهم بالظاهرة الصحية على الرغم من المؤشرات التي يعكسها.


من جهته يشجع رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة العلوم التطبيقية د. سعود عبد الجابر ربة المنزل على هذه الأساليب مشيرا هو الآخر إلى المؤشرات التي تعكسها حول تدني مستوى الدخل في الأردن.


ويؤكد عبد الجابر ان الاستفادة من الأشياء المنزلية لأكثر من مرة ولغير الهدف الأولي الذي صنعت من أجله يحول المرأة بشكل أو بآخر من الاستهلاك إلى الانتاج.


ويلفت نظر ربات المنازل إلى كون المتطلبات البسيطة والمواد الخام في متناول الجميع، منوها أن هذه العادات القديمة الجديدة تعكس زيادة أعداد العائلات الفقيرة.


 وربما من الطريف الإشارة ان أصول “البيتزا” تعود إلى إعادة تدوير الطبخات المتبقية لعدة أيام وخلطها سويا على عجينة طازجة وخبزها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock