ترجمات

إعادة نظر في وضع القوة الأميركية في الشرق الأوسط

كريستين ماكفان* – (معهد واشنطن) 10/3/2021

في الرابع من شباط (فبراير)، أعلن وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، أن وزارته ستباشر مراجعة وضع البصمة العسكرية الأميركية العالمية ومواردها واستراتيجيتها ومهامها. وفي السابق، ركزت “الاستراتيجية الأميركية للدفاع الوطني” للعام 2018 لإدارة ترامب على التنافس مع الصين وروسيا كأولوية قصوى، وقد يتمكن البنتاغون أخيراً من تحقيق ذلك في ضوء إطار العمل الراهن في الشرق الأوسط ورغبة إدارة بايدن في تحويل التركيز بعيداً عن المنطقة. كما أن تدمير خلافة “داعش” والتعاون الأمني العربي-الإسرائيلي المعزز الذي بدأته “اتفاقيات إبراهيم”، والجهود السعودية-الإماراتية لرأب الصدع مع قطر، ورغبة الرئيس بايدن في تخفيف التوترات مع إيران، توفر جميعها فرصة لإعادة التفكير في الموقف العسكري الأميركي في الشرق الأوسط.
ويوفر مشهد التهديدات المتغير في المنطقة فرصاً مماثلة. فعوضاً عن إبقاء مسألة مكافحة الإرهاب في طليعة أهداف القوة الأميركية كما كانت منذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، على واشنطن أن تعطي الأولوية الآن لمهام ملحة أخرى -تحديداً طمأنة الحلفاء وردع إيران ودعم الديمقراطية وتقليص درجة الانكشاف وخفض التكاليف، مع الهدف الرئيسي المتمثل في تحرير الموارد اللازمة من أجل التحوّل الاستراتيجي للإدارة الأميركية إلى منافسة القوى العظمى. وقد بدأت بالفعل الجهود لزيادة الخيارات غير العسكرية لواشنطن، مثل تعزيز السلك الدبلوماسي، وإصلاح العلاقات مع الشركاء، وإعادة تأكيد التزام الولايات المتحدة بالمنظمات الدولية. ولكن، ما يزال من الضروري أن يفكر البنتاغون في كيفية تطوير وضع قوته من أجل تحقيق جميع الأهداف الأخرى.
وفيما يلي توصيات لتحقيق هذه الغاية. ويشار إلى أن كل واحدة من هذه الأفكار تأخذ بوجود مخاطر متأصلة، بعضها أكبر من الآخر. ومع ذلك، تتطلب محدودية الموارد اتخاذ بعض المخاطر من أجل التوفيق بين وضع الولايات المتحدة وأولوياتها الاستراتيجية.
الانتقال إلى مناوبات قصيرة المدى وغير متوقعة لحاملات الطائرات
يجب إعادة النظر في حسابات التكلفة والفوائد لعمليات الانتشار المستمرة لـ”مجموعة حاملات الطائرات الضاربة” في الخليج العربي. وعلى الرغم من الدعوات المتكررة لإعادة توجيه الاهتمام نحو التهديدات الصينية والروسية، إلا أن عمليات الانتشار البحرية الأميركية في منطقة الخليج شهدت ارتفاعاً العام الماضي؛ حيث تم في بعض الأحيان إرسال مجموعتين من حاملات الطائرات في الوقت نفسه. وجاءت تلك الخطوات كرد مباشر على العدوان الإيراني المتزايد (على سبيل المثال، الهجمات الصاروخية على أهداف أميركية في العراق)، لكن هناك القليل من الأدلة على أن عمليات الانتشار هذه تردع طهران بالفعل. ومع ذلك، فإنها تضع ضغطاً كبيراً على استعداد البحرية الأميركية، بينما تخفف أيضاً الضغط عن بكين وموسكو عبر إزالة التواجد العسكري غير المتوقع من مسارح أوروبا والمحيط الهادئ.
لذلك، يجب على البحرية الأميركية استبدال الانتشار المستمر لحاملات طائراتها بعمليات انتشار أقصر وأقل توقعاً. وهنا تستطيع حاملات الطائرات المتمركزة في المحيط الهادئ وأوروبا الخروج من مناطق العمليات هذه وقضاء بعض الوقت في الخليج بناءً على النموذج الديناميكي لنشر القوات المدرج في “الاستراتيجية الأميركية للدفاع الوطني” للعام 2018. ومن المرجح أن تؤدي عدم القدرة على التنبؤ هذه إلى تعقيد عملية صنع القرار في إيران. وفي الوقت نفسه، ستبقى البحرية الأميركية قادرة على إبقاء مقاتلات سطحية أصغر حجماً في الخليج للحفاظ على وجودها هناك وتوفير الأمن البحري.
نقل أصول “الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الأميركية” إلى أوروبا، وتحسين القدرات الإقليمية
من أجل المساهمة في إعادة تركيز القدرات الأميركية على منافسة القوى العظمى، يجب على البنتاغون تحويل أصول “الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع” بعيداً عن الوجود الدائم في منطقة الشرق الأوسط. فالأقمار الصناعية وغيرها من الأدوات الوطنية تتيح بسرعة جمع معلومات جوهرية عن النقاط التي تهمّ الولايات المتحدة في المنطقة، وتستطيع القوات الأميركية المتمركزة في أوروبا التعويض عن أي معلومات استخباراتية قد تفوتها، حيث تمكّن إمكانيات “الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع” الحالية في أوروبا هذه القوات من التحليق فوق أيٍّ من مناطق الشرق الأوسط وجمع المعلومات منها.
وفي الوقت نفسه، يجب على البنتاغون مساعدة الدول الشريكة على تطوير قدرات مماثلة من أجل تخفيف مخاوفها بشأن هذا التحول وتحسين عملية تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون على المستويين الثنائي والمتعدد الأطراف. فبعد أن أعلنت إسرائيل والإمارات العربية المتحدة عن اتفاق التطبيع التاريخي بينهما العام الماضي، اقترحتا تعزيز التعاون في المجالين الدفاعي والعسكري. وفي الواقع، تتمتع إسرائيل بالفعل بقدرات متطورة في مجال “الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع” ويمكنها العمل مع دول الخليج لتطوير قدرات إقليمية أكثر قوة.
ويمكن لأصول “الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع” الأميركية المعززة مواجهة أنشطة تهريب الأسلحة الإيرانية بشكل أفضل من خلال كشف الشحنات المتجهة إلى وكلاء إيران واعتراضها. كما يمكنها أيضاً تحسين الإشارات والتحذيرات من الأنشطة الصاروخية الإيرانية قبل انطلاقها، والتي يمكن بدورها أن تساعد هذه الدول على التخفيف من مثل هذه التهديدات داخل حدودها.
وبالنسبة للولايات المتحدة، سيكون هذا الاستثمار مفيداً على جبهتين رئيسيتين، هما تسهيل تقاسم التكاليف/الأعباء، ودعم إنشاء شبكة “القيادة والتحكم المشترك في جميع المجالات” التابعة للقوات الجوية الأميركية، وهذا أمر ضروري للانتصار في أي معارك مستقبلية متطورة.
نقل المقرات الأمامية إلى الوطن
ربما يتضمن التغيير الأكثر جذرية لتقليل البصمة العسكرية الأميركية تقليص عدد الأفراد في المقرات الرئيسية في الشرق الأوسط وإعادة دمجها في الولايات المتحدة خلال العقد المقبل، مع الحفاظ على عدد كافٍ من الأفراد لتلبية الاحتياجات العملياتية. فالتحسينات الراهنة على مستوى تبادل المعلومات والتكنولوجيا تسمح للمحاربين وعناصر الدعم بمشاهدة الصور التشغيلية لساحة المعركة في وقتها الفعلي تقريباً مهما كان موقعها. ولا تترك هذه القدرة سبباً يُذكر للاحتفاظ بعدد كبير من الموظفين المنتشرين في المراكز الأمامية في قطر أو الكويت أو البحرين -خاصةً عندما يَعتبر المرء أن وجود قوة كبيرة في الخليج معرض دائماً للهجوم الإيراني، وأن التهديدات الوجودية المحتملة للولايات المتحدة تلوح في الأفق في أماكن أخرى.
ولهذا التحول عدة فوائد ممكنة. فالمقرات الرئيسية بوضعها الحالي تتضمن تمركز عشرات الآلاف من القوات وأفراد أسرها في الخليج، ما يعني أن إعادتهم إلى الوطن ستقلل إلى حد كبير التهديد الإيراني على أرواح الأميركيين وستلغي فائض المهام المنجزة في المقرات الأمامية والخلفية، في حين أن دمج مراكز التحليل والمراقبة من شأنه أن يسمح ببناء قوة أصغر وأكثر فعالية.
وفي أفضل الأحوال، يفترض أن تتوَّج هذه المقاربة باحتفاظ البنتاغون بالحد الأدنى من الأفراد الأساسيين في المنطقة، بحيث يعمل هذا الطاقم، بالتنسيق مع الوجود الدبلوماسي الأميركي، على التواصل مع المنظمات العسكرية والحكومية المحلية لتحقيق هدفين هما الحفاظ على الشراكات الثنائية، وضمان مهمة الإشراف على البنية التحتية العسكرية القائمة للسماح بإعادة الانتشار السريع خلال الأزمات. ومن المؤكد أن هذا التحول قد يُعد ضربة كبيرة لشراكات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حتى لو كان هذا التحول تدريجياً. ومع ذلك، فإنه الطريقة الممكنة الوحيدة لتخصيص المزيد من الموارد لأولوية الولايات المتحدة المتمثلة في المنافسة بين القوى العظمى. ولطمأنة الشركاء الذين لا يشاركون إدارة بايدن هذه الأولوية، قد يتعين على الإدارة أن تخبرهم -والأهم من ذلك أن تبيّن لهم- أن واشنطن ملتزمة بالحفاظ على قدرات إعادة الانتشار السريع ومساعدتهم على تعزيز قدراتهم الخاصة من خلال مبيعات الأسلحة وغيرها من الوسائل الملموسة بغض النظر عن الخلافات السياسية الداخلية حول مثل هذه الخطوات.
الحد من عمليات النشر المستمر للأصول القتالية، وتكثيف التمارين والمناورات
يجدر بالبنتاغون النظر في إمكانية تحمل مخاطر إضافية من خلال سحب بعض القدرات القتالية الهجومية بعيداً عن عمليات الانتشار الدائمة في الشرق الأوسط واستبدالها بتمارين نشر قتالية متكررة ومتعددة الأطراف. وسيستلزم ذلك بناء برامج شراكة وإجراء استشارات وتدريب ومساعدة، خاصة في العراق ومع “قوات سورية الديمقراطية” في شمال سورية.
وإضافة إلى مساعدة القوات الأميركية على الحفاظ على المهارة والإتقان داخل منطقة العمليات وإبقاء المحاربين على استعداد لمواجهة مشاكل اليوم، يمكن لمثل هذه التمارين أن تحرر الوحدات القتالية بما يكفي لتغيير النموذج والاستعداد لمعارك مستقبلية محتملة في أوروبا والمحيط الهادئ -وصقل مفهوم نشر القوة الديناميكي خلال العملية. وبالنسبة للشركاء في الشرق الأوسط، ستوفر التمارين الجديدة تواجداً أميركياً متكرراً في المستقبل يخدم مصالح متعددة، هي: ردع العدوان، وتعميق قابلية التشغيل البيْني، وزيادة التعاون الإقليمي، وطمأنة الحكومات المحلية، وتعزيز قدرتها على حماية حدودها، وبالتالي تخفيف العبء الأميركي.
الاستثمار في الدفاع الصاروخي في المنطقة
تواصل إيران توسيع برنامجها للصواريخ الباليستية من حيث العدد والمدى والدقة. كما أن النظام ووكلاءه استخدموا الطائرات المسيرة المسلحة لضرب السعودية والإمارات. ولردع هذه القدرات منخفضة التكلفة نسبياً، يجب على الولايات المتحدة العمل مع الشركاء لتحسين دفاعاتهم ضد الضربات الجوية والصواريخ الباليستية.
إن النهج الحالي، المتمثل بنشر منظومات الصواريخ أرض-جو من نوع “باتريوت” في المواقع الحرجة، ليس مثالياً. فهذه الصواريخ ليست متوفرة إلا بأعداد محدودة، وكل واحد منها يكلف ما بين مليونين و4 ملايين دولار بحسب نوعها -أكثر بكثير من تكلفة الطائرات من دون طيار والصواريخ الإيرانية. لذلك يجب على الولايات المتحدة إعطاء الأولوية القصوى لأعمال البحث والتطوير والتعاون التي تمكّن دول الخليج من الحصول على منظومة متوفرة بسهولة أكبر وبسعر معقول لمواجهة إيران. وقد أشار رئيس منظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية، موشيه باتيل، إلى أن بلاده ستكون منفتحة على العمل مع الإمارات والبحرين بشأن التعاون في مجال الدفاع الصاروخي. وفي الواقع، مع توسع التطبيع العربي-الإسرائيلي، يجب أن يتوسع هذا التعاون.
الخاتمة
تقلص الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط على مر السنين مع توقف العمليات القتالية الرئيسية. ومع ذلك، نظراً للوقائع الجديدة المحيطة بالتهديدات التي تتعرض لها الولايات المتحدة وأولويات إدارة بايدن خارج الشرق الأوسط، أصبح من المناسب إجراء عمليات انسحاب إضافية.
ستثير مثل هذه التحركات قلق الشركاء وتتطلب من واشنطن اتخاذ مخاطر مدروسة. وستستلزم أيضاً ردوداً ثابتة وحاسمة من الولايات المتحدة على الهجمات الإيرانية خلال المرحلة الانتقالية لإظهار أن تقليص الوجود الأميركي لا يعني انخفاض الالتزام، كما ستتطلب حملة عمليات إعلامية مدروسة تسلط الضوء على هذه النقطة. ومن خلال هذه الجهود، يمكن للإدارة الأميركية أن تُطمئن الحلفاء بأنها ستنفّذ شراكاتها على الرغم من قيود الموارد والأولويات المتغيرة -مع حفاظها على القدرة على نقل الموارد بسرعة إلى الشرق الأوسط إذا دعت الحاجة.

*الكاتبة زميلة عسكرية في معهد واشنطن في الفترة 2020-2021

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock