أفكار ومواقف

إعلاميون برتبة معالي!

على مدى الأشهر الماضية، طفت على المشهد الإعلامي حالة من الفوضى، ربما لم يلاحظها كثيرون، ربما اعتبروها جزءا طبيعيا من عمل الإعلام، إلا إنها بالتأكيد لم تكن كذلك، بل هي تدخل في باب نقص مستوى المهنية، وغياب المعايير التي تحكم عمل الإعلامي.
إعلاميون “مهمّون” متابعون على نطاق واسع، قدموا نماذج أداء “شعبوي” تارة، و”تلميعي” تارة أخرى.
في ملفات عديدة؛ التعليم، الصحة، العمل وغيرها، اشتبك أولئك الإعلاميون مع ضيوف عديدين ومع مشاهدين كثر، إلا أنهم مارسوا في كثير من تلك الاشتباكات نوعا من التنمر على ضيوفهم، خصوصا حين يكون الضيف ممن لا يمتلك سمة النجومية لدى الشعب، وهي النجومية التي تحصلت بعد أداء استعراضي لعدد من المسؤولين خلال أزمة كورونا الممتدة.
ولكن، وفي حال كان الضيف من هؤلاء النجوم، فإن الحوار يسلك منحى تلفيقيا يعزز نجومية الضيف، ويظهر بطولاته، وحتى في حال مواجهته بأسئلة تقلق الشارع بشكل حقيقي، فإن تلك الأسئلة يتم طرحها بتسخيف وتسطيح يفقدها أهميتها، وأحيان كثيرة ينبري أولئك الإعلاميون للدفاع عن “النجوم” في مواجهة الأسئلة المهمة التي تتردد في المجتمعات الأردنية المختلفة، ويقدمون تسويفات ودفاعات عن المسؤولين.
خلال أزمة كورونا بالذات، تواطأ الإعلام الرسمي والخاص مع الرواية الكاملة للحكومة، ولم يتم تفكيك تلك الرواية إلى جزئيات وتقديم نقد واقعي لها، بكل ما تحمله من أوامر دفاع وإجراءات أثرت على جميع القطاعات. كانت الرواية الرسمية هي الوحيدة التي يتم تداولها، بينما سكتت، أو “أسكتت”، جميع الأصوات التي من الممكن أن تكون نشازا، وخارج سياق الرواية المعتمدة.
وفي الوقت الذي كانت القطاعات تصرخ فيه بأعلى صوتها، غيبت وسائل إعلام تلك الحقيقة، اكتفى بعضها بإيراد الشكاوى، وبعضها أجرى متابعات “خجولة” لبعض الملفات، لكن قسما آخر سعى إلى تمجيد الرواية الحكومية، وتسويقها بشكل كثيف.
بعض الإعلاميين تطوعوا لكي يكونوا بوقا للحكومة، مراهنين بكل ما يمتلكونه من رصيد مهني وشعبي بنوه خلال الفترة السابقة، وهو بالتأكيد رهان أكل كثيرا من تلك الشعبية، بينما أطاح بكامل مهنيتهم.
رغم أن إجراءات الحكومة وأوامرها أصابت جزءا من الإعلام بمقتل حين منعت إصدار الصحف ورقيا، وماطلت حتى اليوم في دعم الصحافة الورقية، إلا أن الإعلام ككل لم يتوحد في مواجهة ذلك، وغرد كثيرون خارج سرب المهنة ومصلحة أفرادها، وظلوا على مسلكهم في تمجيد الحكومة وزيادة تنجيم المسؤولين، فظهروا أقرب إلى أن يكونوا عاملين في “استثمار شخصي” يريدون له دوافع نجاح كبيرة، لا في مؤسسات إعلامية هدفها البحث عن الحقيقة، وتقديم منتج يصب في مصلحة الوطن والمواطن.
خلال الأزمة الراهنة، ظهر الإعلام المحلي في أسوأ صوره، فقدم صورة واضحة لما تكون عليه الشمولية، أو ما يكون عليه الصواب السياسي بمفهومه الحديث، والذي يعني المداهنة والمسايرة، ولكن ليس للرأي العام، بل للسلطة، لذلك لا بأس أن يصفّق إعلاميون للمسؤولين، ولا ضير في أن يزفوهم كالأبطال لأنهم قاموا بجزء يسير من عملهم، وارتكبوا من الأخطاء أكثر مما أصابوا!
في الحقيقة، لا يسعني إلا أن أغبط بعض أولئك الإعلاميين الذين نستضيفهم في بيوتنا بشكل شبه يومي، فهم يستطيعون نقل “السلاح” من كتف إلى آخر بالسهولة التي يرمي بها المدخن عقب سيجارة منتهية.
أغبطهم حين يكونون أسودا زائرة مع ضيف ما، ليتحولوا إلى حملان وادعة مع آخر. إنها سنّة الحياة في منظورهم، أو تبعات تغليب المصالح الشخصية في منظور المراقبين الموضوعيين. لكن تبقى الحقيقة ماثلة هي أنهم أعلاميون برتبة وزير ولقب معالي، فالحكومة صنعتهم ونجّمتهم لكي يحملوها في مثل هذه الظروف الاستثنائية. ونستطيع نحن أن نصفق لهم بحرارة وإعجاب، فقد نجحوا في مهمتهم!
المطلوب اليوم أداء مختلف عمّا ظهر خلال الأسابيع الأخيرة، وأن يعود الإعلام من جديد إلى ضميره، ويمارس دوره الرقابي الحقيقي. صحيح أن سقف الحرية لا يسعفنا كثيرا، ولكن عشنا في أوقات مزدهرة، كانت فيها الرقابة تتم من خارج الجسم الصحفي.. وكان عدد المطبّلين والمزمّرين قليلا، وليس بالحجم الماثل اليوم. فلنعد إلى ذلك الزمن!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock