أفكار ومواقف

“إلا الأقصى” .. شرط بلا جواب..!

علاء الدين أبو زينة

فجر الجمعة، صلى 30.000 في المسجد الأقصى. أرادوا أن يكونوا دروعاً لحمايته من دنس المستوطنين المتوقع.

وتعرض المصلون لاعتداء وحشي من جيش وشرطة الاحتلال لإخراجهم من المسجد. وعند صلاة الظهر عاد نحو 20.000 مصل إليه، برغم منع سلطات الاحتلال دخول الرجال تحت سن 50 عاماً.

وليس الذهاب للصلاة في الأقصى عندما يكون تحت الاجتياح العسكري وهجوم المستوطنين المتطرفين نزهة دنيوية أو روحية.

إنه فعل مقاومة، يعني الاشتباك الحتمي مع الجنود المدججين العدوانيين، ومواجهة الضرب الوحشي والاعتقال -والقتل.

وهو ما حدث، طبعاً: أعلن الهلال الأحمر الفلسطيني عن إصابة أكثر من 150 فلسطينياً نتيجة للضرب والغاز والطلقات المطاطية. وتم اعتقال أكثر من 400 مقاوم من المسجد صباح الجمعة.

كالعادة مع كل استهداف مركز للأقصى، المستهدف دائماً في الحقيقة، وجه الشيخ عكرمة صبري نداء طالب فيه الدول العربية والإسلامية والسلطة الفلسطينية بتحمل مسؤولياتها. أي مسؤولية؟

لقد بينت الخبرة منذ احتلال فلسطين أن هذا النداء يائس لا معنى له. لا يفعل الاستنكار والاحتجاج أي شيء. الوحيدون الذين يفعلون، ولا يقولون، عن كرامة ومشاعر المسلمين هم الفلسطينيون العاديون العزل المشتبكون على الأرض.

وهم ليسوا في حاجة إلى نداءات. كانت فلسطين، وتصبح يومياً، خارج حسابات القادة المسلمين والعرب – الآن علناً- ومعها بالطبع كل مقدس: القبة والأقصى والإبراهيمي وكنائس القيامة والمهد وكل شيء عزيز.

و»السلطة الفلسطينية» لا تصلح لشيء. إنها مختزلة في الشيء الوحيد الذي لديها لتوجع به العدو: حل نفسها. وهذا يقول كل شيء عنها.

خصوصية المسجد الأقصى أنه الرمز الذي يلخص الصراع والموقف في فلسطين في أي وقت من الأوقات. إذا كف الفلسطينيون عن الدفاع عن الأقصى وأصبح جيش العدو ومستوطنوه أحراراً في دخوله وفعل ما يشاؤون فيه، تكون القضية الفلسطينية قد صُفيت وانتهى الصراع.

ولذلك، يدافع عنه الفلسطينيون كلهم، مسلمون ومسيحيون ولا دينيين. برغم التنوع الهائل للشعب الفلسطيني، من الأزياء إلى اللهجات إلى العقائد والفصائل، يخص كل شيء في فلسطين كل فلسطيني، مسجداً كان أم كنيسة أم كنيساً أصلياً أم شجرة زيتون.

وسوف ترى شيوعياً فلسطينياً يرابط في الأقصى وبيده قرآن. ومسلماً يحمي كنائس فلسطين بدمه.

المسجد الأقصى نقطة تسخين مضمونة تستطيع سلطات الاحتلال استخدامها متى تشاء؛ للاستفزاز؛ لقياس الحرارة الفلسطينية، أو اختلاق مناسبة للتذكير بقدرتها على القمع والوحشية والإذلال.

ويفكر المرء بالكثير من الاحتمالات وراء إصرار كيان الاستعمار على استخدام الأقصى لتحريك الأوضاع، حتى مع قدرته على توحيد فلسطيني كامل فلسطين التاريخية بطريقة فريدة.

المهم، أن كل شيء آخر بشأن الأقصى، ما عدا مقاومة المرابطين الذين يدافعون عنه بالصدور العارية، هو هراء محض يُعامل على أنه الشيء المُقدَّر والجدّي.

ما معنى صرخة، «إلا الأقصى»، حين يكون مستباحاً بوضوح الشمس كجزء من بلد مستعمر كله ومستباح؟ سوف يفكر المرء دائماً بشخص مهموم اغتصب أحد منزله وطرده منه، لكنه وقف خارج السور، مع أنصاره المفترضين، يصرخ بصوت بُح من كثرة الصراخ: «يا أنتَ، إلا غرفة نومي؛ إلا الشيء الفلاني؛ حذار من المساس بكذا».

دائماً هذا النداء العاطل من المعنى، كما هو: كجملة شرط بلا جوب شرط: «إن تفعل…..(نقطة)»! «إلا الأقصى»… (وإلا) ماذا يا أخي المحترم الخائن للحقيقة والذات؟!

لو كان ثمة جواب للشرط في الظرف الفلسطيني، لكان الجواب فعلاً ولن يلزم الكلام. «إلا الأقصى، وإلا حررناه منك»؟ لو كنتَ ستحرر الأقصى فلا داعي لأن تحذر وتتوعد. ستفعل فقط.

وما دون ذلك هبل محض لشخص يلوح بيديه فقط ولا يخيف نملة، ويعلن فشله دائماً بالعبارات المهزومة الخائنة للذات: إلا الأقصى؛ إلا رسول الله؛ إلا وإلا. كلها مقدمات بلا خلاصات. إعلانات فاضحة عن العجز عن الفعل من الأكرم أن لا تُقال من الأساس.

وحتى تكتمل السوريالية الممضة، تعلن السلطة الفلسطينية، التي يُفترض أنها فلسيطينون، معنيون ويفهمون، أن «اقتحام الأقصى إعلان حرب»، و»لن نسمح بتدنيس الأقصى»!

يعني الاستعمار والاحتلال ليسا إعلان حرب يا سُلطة؟ أن العدو سلمي لكنه أعلن الحرب؟ وكيف لن تسمحوا بتدنيس الأقصى يا سُلطة؟

هل تكونون شجعاناً بما يكفي للاستقالة من عمل العدو والانضمام إلى صفوف شعبكم المشتبك، حيث الحقيقة الوحيدة، وتعيدون للعدو كلفة الاحتلال؟ وإلا ماذا؟

المقال السابق للكاتب 

الصغار لا ينسون..!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock