آخر الأخبار حياتنا

إلهام النعيمات ناشطة تحول قريتها إلى منطقة خضراء

تغريد السعايدة

عمان- قد تكون بذرة خير واحدة قادرة على زراعة غابة بأكملها بالعزم والإرادة وتحدي الصعوبات وإيجاد بيئة داعمة، وهذا ما ترجمته جهود الناشطة الاجتماعية إلهام النعيمات من قرية بيوضة في منطقة الصبيحي في محافظة البلقاء.
وأصبحت النعيمات بتميزها وجدها أحد أعلام القرية التي باتت تُصنف بأنها أفضل المناطق الزراعية البيئية، بعد سلسلة من الأنشطة والمبادرات الفردية التي قامت بها النعيمات، وتحولت مع الوقت إلى أعمال تعاونية تجمع الكثير من المتطوعين من خارج الأردن وداخلها.
وتتحدث النعيمات بهمة وثقة ابنة القرية التي تعرف مداخل وأسرار قريتها، وترى فيها أجمل بقاع الأرض، مؤكدة بذلك أن أهل القرية “أدرى بشعابها”، وهم وحدهم القادرون على أن ينهضوا بمنطقتهم إلى مصاف المناطق المعروفة على مستوى العالم، وليسوا بحاجة إلى أشخاص من خبرات خارجية تتحدث عن منطقهم وباسمهم.
وحرصت النعيمات منذ أن تخرجت من الجامعة الأردنية في تخصص التربية الرياضية منذ سنوات على أن تنهض بقريتها، وتحفر في الأرض لتتحول إلى ناشطة اجتماعية فعالة في أحد أبرز المجالات وهي “الزراعة”، فكان الحث على رعاية الأرض وتشجير المناطق المختلفة هو الهدف الذي عملت عليه، وأصبحت معه “بيوضة” وجهة للعديد من الباحثين عن العمل التطوعي في مجال الزراعة، ومنهم من دول أوروبا، من خلال التشبييك مع إلهام، كونها باتت معروفة في هذا المجال.
وعن مسيرتها في هذه المجال، تقول النعيمات إنها تدربت بعد التخرج في معهد الملكة زين لمدة ثلاث سنوات حول تنمية القدرات والمهارات الحياتية والتنمية البشرية وإدراة المشاريع، وتوجهت إلى الولايات المتحدة لتزيد من خبرتها في العمل التطوعي والمؤسسي وإدارة المشاريع، وشاركت في الصندوق الأردني الهاشمي للتأسيس لتحالف وطني لمكافة الجوع والأمن الغذائي، وبعد سنوات من التدريب والتعرف على كل ما يزيد من خبرتها، قامت بتفريغ كل تلك الطاقة الموجودة لديها في قريتها “بيوضة”، لتكون إحدى القرى الصحية بشهادة من منظمة الصحة العالمية.
وخلال مسيرتها في العمل التطوعي، واجهت النعيمات الكثير من الصعاب، ولكن تصميمها ومحاولتها التغيير المجتمعي في قريتها، كان الدافع وراء ما وصلت إليه الآن، فكان أول ما بدأت به هو توفير نواد وجمعيات تُعنى بالمرأة والطفل بشكل عام، فأطفال القرى قد يكونون محرومين من بعض الميزات الترفيهية أو الأنشطة اللامنهجية في العطل الرسمية وأوقات الفراغ.
ومن أجل تغيير واقع الأطفال في قريتها، عملت النعيمات على توفير ناد للطفل يقوم على تدريبهم على رياضة الشطرنج، بما يتناسب مع الإمكانيات المتوفرة، بالإضافة إلى محاولة دمجهم مع المجتمع الخارجي للقرية وتعليمهم تقبل الآخر من الثقافات والدول الأخرى، كما عمل في أنشطة بالتعاون مع سفارات دول غربية.
وحتى يكون عملها مؤسسيا ومنظما، قامت النعيمات بإنشاء مؤسسة “إبداع البلقاء” والتي من خلالها تقوم بعمل استشارات استراتيجية وتخطيط للأعمال التي تطلقها، بالإضافة إلى الانطلاق منها للبرامج المختلفة التي تقوم بتنظيمها، مثل مشروع تشجير منطقة “بيوضة” بالأشجار المثمرة في الحدائق المنزلية، وتوفير ما تحتاجه الأسر من أشجار يمكن أن تكون ذات فائدة في توفير بعض أصناف الفواكه للأسرة مع مرور الوقت والاهتمام بالأشجار.
وبدأت النعيمات بترسيخ ثقافة الاهتمام الزراعي في مجتمعها من خلال الأطفال، فتوجهت إلى المدارس ووجهت الأسئلة للطلاب حول ماذا يفضلون من الأشجار ليقوموا بزراعتها في حدائقهم ويهتموا بها، وكان للأطفال ما أرادوا وتمت زراعة الأشجار في حدائق منازلهم، ومن هنا كانت الانطلاقة.
وبالتعاون مع العربية لحماية الطبيعة ومشروع القافلة الخضراء، قررت النعيمات أن توسع المشروع وبطريقة منظمة من خلال وجود متطوعين، بتوزيع استبيان على أهالي القرية ليختاروا عشر أشجار يزرعونها في حدائقهم ومناطقهم المحيطة في كل بيتين، وبعد ذلك تم تفريغ تلك الاستبيانات بطريقة علمية ومنظمة، وتم تخصيص أيام معينة لزراعة الأشجار في الحدائق، بما يتناسب مع مناخ البلدة وحاجتها.
وما يزال مشروع الزراعة مستمراً حتى الآن، بحيث سيتم زراعة ما يقارب 1500 دونم، موزعة على الحدائق المنزلية، وجميعها أشجار مثمرة، فهي ترى أن تلك الطريقة “تستفز الخير عند الناس بما يخص العمل الخيري التنموي”، وهذا ما لمسته حتى الآن، فقد تغيرت ثقافة المجتمع، وأصبحت الأرض هي أهم ما يمكن أن يملكه الإنسان، ويهتم به ويستمتع بالنظر إلى محيطه بأشجار خضراء مثمرة.
العربية لحماية الطبيعة، كتبت على صفحتها على “فيسبوك”، في إحدى الفعاليات منشوراً وصفت فيه النعيمات بأنها “مزارعة دبلوماسية سياسيّة معلمة وخبيرة مجتمعات محليّة تعمل بصمت ولا تحب الأضواء ولا تتلقى أي تمويل خارجي وتواصل اليوم عملها بإخلاص في الأرض لإيمانها بأن زراعة الأرض هي زراعة للإنسان، وهي من عمّار الأرض وجنودها المخلصين ولها قصّة مع فلسطين وأسرتها.. وعندما ذهب جد إلهام لفلسطين تعلم وتتلمذ على يد شيوخ المسجد الأقصى وعندما عاد إلى قريته باشر بإنشاء أول مدرسة للإناث والذكور كما كان أول من أنشأ أول مجلس بلدي في قرية البيوضة”، وهي خريجة جامعة سيراكيوز نيويورك.
ويعد مصطلح “حاكورة” الذي تطلقه النعيمات على مشاريعها الزراعية، طريقة للمحافظة على هذا الإرث الشعبي الذي كان لكل بيت في الأردن وليس فقط في قرى الصبيحي، التي تنوي النعيمات أن تضمها مع مرور الوقت إلى مشاريعها التنموية الزراعية المختلفة، فكلمة الحاكورة مرتبطة بزراعة الأرض و”فلاحتها” ذاتياً وحسب الموارد المتوفرة.
وليكون العمل منظماً أكثر، عملت النعيمات على إيجاد لجنة خاصة تقوم بمتابعة الأشجار التي تتم زراعتها في الحدائق، حتى يكون المشروع ناجحا بكل المقاييس، كما تم توفير آلية لمعرفة البيوت التي يتوفر بها بئر ماء، وتوفير دعم لكل بيت ينوي إنشاء بئر، حتى يتم ري المزروعات منها، فالمنطقة تعاني من شح المياه بشكل ملحوظ.
ومن خلال عملها في المجتمع المحلي، تقوم النعيمات بعملية تسويق للمنتجات التي تقوم ربات بيوت وصغار المزراعين بإنتاجها، وتنال استحسان المستهلكين، مثل زيت الزيتون والزيتون الأخضر والأسود، الألبان ومشتقاتها، والقمح والبامية والسمسم والبيض البلدي والبندورة البعل والكوسا وعين شمس والذرة وفواكه الصيف؛ المشمش والخوخ والدراق والرمان والعنب والتين والصبر، والكثير من المنتجات، التي تحرص النعيمات على أن تحمل طابع واسم قريتها، للمحافظة على هويتها.
وأشارت في حديثها عن منتجات قرية بيوضة، إلى أن “نبتة الميرمية المزروعة فيها هي من الفصيلة التي انقرضت من العالم، وهذا ما أكده أحد الخبراء”، لذلك تعمل على أن تحافظ على هذا الطابع الذي يحمل هويتها.
وتؤكد النعيمات سعيها إلى أن تكون قرية بيوضة نموذجا للبيئة الآمنة المتكاملة بأهلها أصحاب الثقافة الكبيرة والخبرات، والتي يقدمها أبناء القرى كنموذج يحتذى في كل قرى الأردن؛ إذ إن الكثير من المتطوعين من دول أوروبا زاروا النعيمات في بيتها لمشاركتها في العمل التنموي التطوعي، عدا عن تنظيمها لعمليات زراعة الأشجار لفئات مختلفة من المواطنين أردنيين وغير أردنيين لزراعة حب التشارك والمواطنة في بلادنا.

[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock