ترجمات

إلى أين تتجه غزة في العام 2020؟

كامل حوّاش* – (ذا أراب ويكلي) 05/1/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

لا يبدو أن المجتمع الدولي يشعر بإلحاح الحاجة إلى إيجاد حل مستدام للأزمة الإنسانية في قطاع غزة. والأمل، وخاصة بالنسبة للشباب الفلسطينيين هناك، غير متاح. والحال هناك طباق لما يقوله المثل العربي: “نحن على قيد الحياة بسبب قلة الموت”.

  • * *
    مع غروب الشمس للمرة الأخيرة في العام 2019 واحتفال الناس في جميع أنحاء العالم ببداية العام 2020 بإقامة العروض الرائعة للألعاب النارية في سيدني ودبي ولندن ونيويورك، دخل قطاع غزة المحاصر العام الذي توقع تقرير للأمم المتحدة صدر في العام 2012 أن المنطقة ستصبح فيه غير قابلة للحياة.
    ولو كان العالم قد استجاب لهذا التحذير الصادر عن الأمم المتحدة، لكان ينبغي بذل كل جهد ممكن لضمان التوصل إلى حل مستدام للمشاكل الناجمة عن الاكتظاظ الشديد والحصار المحكم وغير الأخلاقي الذي فرضه أحد أعضاء المجتمع الدولي على ما يقرب من مليوني كائن بشري تحت الاحتلال.
    والحل لمشكلة الاكتظاظ واضح. فبما أن 80 في المائة من الفلسطينيين الذين يعيشون في قطاع غزة هم لاجئون، فإنه كان ينبغي تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 194، الذي سمح لهم بالعودة إلى المنازل والقرى والبلدات التي طُرد منها أجدادهم والذين يُرجح أن يكونوا قد أُخرجوا منها باستخدام العنف في العام 1948.
    وقد أدى فشل العالم في إجبار إسرائيل على تنفيذ هذا الحق، إلى قيام الفلسطينيين في غزة، ابتداء من 31 آذار (مارس) 2018، بمسيرات مستمرة إلى السياج الحدودي الذي يمنعهم من العودة إلى أرضهم. وبدلاً من السماح لهم بالدخول، نشرت إسرائيل القناصة بهدف إصابة المتظاهرين وقتلهم وتشويههم. وتسببت وحشية إسرائيل في مقتل أكثر من 200 فلسطيني، بمن فيهم صحفيون ومسعفون.
    ومن بين القتلى الأطفال الذين بلغ عددهم نحو 50 طفلاً، ثمة عثمان رامي الهليس، 14 عاماً، الذي توفي جراء رصاصة أصابته في صدره وخرجت من ظهره في 13 تموز (يوليو) 2018. وقد حُكم على القناص الإسرائيلي الذي قتله بخدمة المجتمع لمدة شهر وتخفيض رتبته. هذه هي القيمة التي تقدّرها إسرائيل لروح فلسطينية.
    يعني رفض إسرائيل السماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم أن الاكتظاظ في غزة سوف يزداد سوءا فحسب. ومع ذلك، ذكرت التقارير أن إسرائيل تتطلع إلى تأمين اتفاقيات مع دول قد ترغب في استيعاب الفلسطينيين الذين يرغبون في الانتقال من غزة.
    غربت الشمس في 31 كانون الأول (ديسمبر)، ونهضت في الأول من كانون الثاني (يناير)، وظل سكان غزة مقيدين بالحصار الذي صممته إسرائيل لضمان السماح بدخول ما يكفي من الغذاء إلى القطاع لإبقاء الفلسطينيين على قيد الحياة فقط، وإنما مع القليل من الأمل في إيجاد حل لمشكلاتهم.
    وذكرت صحيفة “الغارديان” البريطانية في العام 2012 أن الرائد غاي إنبار، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي آنذاك، قال إن الحساب، بناءً على متوسط متطلبات الفرد الغذائية البالغ 2.300 سعر حراري يوميا، كان يهدف إلى تحديد علامات التحذير للمساعدة على تجنب حدوث أزمة إنسانية، وأنه لم يتم استخدامه مطلقا لتقييد تدفق الطعام إلى القطاع. ومع ذلك، تدخلت إسرائيل فعلياً في تحديد أنواع الطعام المسموح بدخولها إلى القطاع المحاصر.
    لكن ما لم يحتسبه تقرير الأمم المتحدة كعامل حاسم، هو الحربان اللتان شنتهما إسرائيل على قطاع غزة بعد نشره، واللتان تسببتا في جلب المزيد من البؤس والدمار على البنية التحتية الهشة مسبقاً في غزة.
    يبلغ معدل البطالة في القطاع 45 في المائة في المجموع و60 في المائة بين شباب غزة. وبالكاد يصل إمداد الكهرباء المتقطع إلى نصف ما هو مطلوب، كما أن أكثر من 90 في المائة من مياه طبقة المياه الجوفية في القطاع غير صالحة للشرب. ويجب أن ينفق السكان قدراً كبيراً من الدخل على مياه الشرب ومولدات الكهرباء، وهم يميلون إلى شراء الأغذية الطازجة حسب الحاجة بدلاً من التجميد بسبب نقص الكهرباء، وهو ما يكلفهم دفع أموال إضافية.
    والوضع الطبي مريع، على الرغم من العديد من المبادرات التي تقوم بها الجمعيات الخيرية الطبية والحكومات الداعمة. ويضرب تأثير الحصار مرضى السرطان؛ ويتأثر به الأطفال وأولئك الذين يتلقون علاج غسيل الكلى بشكل خاص.
    وبما أن إسرائيل تسيطر على الوصول إلى المرافق الطبية في القدس الشرقية والضفة الغربية، فإن المرضى يحتاجون إلى الحصول على تصاريح للسفر إلى هناك، وغالباً ما يتم تأخير إصدار التصاريح أو رفض إصدارها من الأساس. وقد تم الإبلاغ عن حالات لأطفال يسافرون بمفردهم للعلاج لأن إسرائيل ترفض إصدار التصاريح لأقاربهم لمرافقتهم.
    في حين أن إسرائيل بذلت بعض الجهود للتخفيف من وطأة الوضع الاقتصادي، فإنها تظل تحتفظ بالسيطرة الكاملة على الوضع في القطاع، بما في ذلك المسافة التي يمكن أن يقطعها الصيادون في البحر للبحث عن الصيد.
    أجرت السلطات الإسرائيل حساباتها لكيفيات الحصار لضمان أن يبقى السكان على قيد الحياة فقط، وإنما من دون أن تكون لديهم أي فرصة للازدهار.
    وإذا كان هدف الحصار هو هزيمة حماس، الحاكم بحكم الأمر الواقع للقطاع، فقد فشل هذا الأسلوب بشكل مذهل، وعلى نحو أثار الكثير من التساؤلات حول الحسابات التي أجرتها إسرائيل عندما فرضته. وبينما تدعي إسرائيل أنها لا تتفاوض مع حماس، التي تعتبرها منظمة إرهابية، فإنه يتوجب عليها القيام بذلك من خلال وسطاء عندما ينفجر العنف أو لضمان إطلاق سراح إسرائيليين أسرى لدى الحركة.
    لا يبدو أن المجتمع الدولي يشعر بإلحاح الحاجة إلى إيجاد حل مستدام للأزمة الإنسانية في قطاع غزة. والأمل، وخاصة بالنسبة للشباب الفلسطينيين هناك، غير متاح. والحال هناك طباق لما يقوله المثل العربي: “نحن على قيد الحياة بسبب قلة الموت”.
    لن يتسابق في الجولة الثالثة من الانتخابات الإسرائيلية في عام واحد، والمقرر إجراؤها في آذار (مارس) مرشحون يتنافسون على شرح كيف سينهون الحصار المفروض على غزة، وإنما مرشحون يستعرضون مدى القسوة التي ضربوا بها القطاع في الماضي، مما يعني ضمناً أن التصويت لصالحهم سوف يجلب الهدوء لإسرائيل.
    ومع ذلك، فإن الصور الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهو ينسل هارباً إلى ملجأ ضد القنابل تؤكد أنه لا يمكن لأي قدر من القوة أن يجلب الهدوء الدائم إلى المنطقة.
    إن قطاع غزة هو دائماً على بُعد صاروخ واحد من هجوم ثقيل آخر تشنه إسرائيل عليه، بغض النظر عما إذا كان مكاناً صالحاً للعيش أم غير ذلك.

*أستاذ جامعي وكاتب فلسطيني مقيم في لندن، المملكة المتحدة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Where is Gaza heading in 2020?

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock