أفكار ومواقف

إلى خالد أبو خالد.. لمناسبة غامضة

لم نكن على موعد حين التقينا في 1999 أو في 2000.. لم أعد أذكر التاريخ تماما، ولكنه كان موغلا بالحزن، حين كانت بغداد ترفل بحصار لم ندرك إجابة واضحة عن موعد انتهائه.
.. وكنت أنت كما دائما، مبتسما رغم تاريخ عربي حافل بالهزائم، ورغم أطفال يذهبون إلى الموت كواجب يومي لا بد من إنجازه، ورغم عواصم عربية عديدة لا بد ستسقط، تباعا، في أسر الاحتلال.
يومها التقينا، لماما، في جناح فخري قعوار بفندق المنصور ميليا ببغداد. لما التقينا. ولكن حين انبرى أبو الأنيس بمهمة التعريف عن الحاضرين، توقفت عندي. مددت إلي نظرة طويلة مصحوبة بأنّات لم أفهمها حينها، وسألتني بصوت حاولتَ أن يكون حياديا: ملكاوي؟ يعني من ملكا في إربد؟
نعم يا سيدي، أنا من تلك القرية المبتلاة بالنسيان والهجر، والتي لا تتذكرها الخرائط، ولا يعرفها المنتصرون. فقط يلوذ بها مهزومون قليلون بغير أسماء رنانة.
حين أجبتك نعم، قرأت على شفتيك ابتسامة لم أفهمها حينها. يحق لنا دائما أن نكون غامضين، فهو أمر تتيحه لنا قوانين الطبيعة التي تحاول دائما تنميطنا، غير أنها تفتح لنا أحيانا فسحة من هروب قليل.
حين بدأت السهرة البغدادية الحزينة، جلست قبالتك تماما. كان بإمكاني القبض على تلصص عينيك وهي تطالعني بنظرات ريبة وشك.. وربما أسئلة مؤجلة لا تريد أن تعلن عن نفسها.
سألنا فخري قعوار من دون اتهام: هل تعرفان بعضكما من قبل؟
أنبريت أنا للإجابة: ومن لا يعرف خالد أبو خالد!
لكن أبو الأنيس ليس ساذجا ليصدق جوابا كهذا، وبالنسبة لي لم أكن أملك إلا هذا الجواب، فالمعرفة التي من الممكن أن تحدث فرقا لا يمكن أن يصنعها إلا ذلك الشخص ذو الشعر الرمادي المسترسل، والحقيبة البنية المتدلية من فوق كتفه.
في وقت متأخر من تلك الليلة العجيبة، تلقيت طرقا خفيفا على باب غرفتي. وحين فتحت الباب كنت تقف هناك. وكنت أنا ألوذ بالغرفة مع جهاد هديب.. المتبرم أبدا.
دلفت بقامتك الفارعة، والابتسامة عينها ترتسم في أسفل شاربين أبيضين منمقين.
لم أكن أريد مفاجآت جديدة. وكنت أعتقد جازما أنك تحمل بعضها. نظرت إلى جهاد كي يريحني من هموم المعرفة تلك، غير أنه كان يدخل حينها في خضم جدل لا ينتهي مع صديقة عراقية فلسطينية أرملة، تريد للعرب أن يسترجعوا فلسطين غدا. كان جهاد يطالب بمهلة أطول قليلا، لكن الأرملة الفلسطينية لم تكن تتيح خيارات كثيرة.. لذلك خسرت جهوده في إنقاذي من سطوة خالد ابو خالد.
كان كانون الأول (ديسمبر) يبسط أريحيته على العراقيين الذين لم يتعافوا بعد من ثماني سنوات حرب مع الجارة العدوة، ولا من ثلاثين دولة حشدت جنودها كي “تقيم دولة الله العادلة” وتعيد الشرعية إلى ما كانت عليه، ولا أفاقوا من عقد كامل من الحصار الذي لم يبق شيئا من مياه أو خضار أو كرامة.
كان كانون يرتب وقت العراقيين بكيف ما يشتهي، وهم يسايرون الشهر، ويعدونه فضيلا بما أفاض عليهم من هدنة.. ومن بركات.
.. وخالد أبو خالد يجلس إلى الطاولة الملمومة في غرفتي الصغيرة، ويحدق بي محتارا من أين يبدأ الحديث!
ليلتها؛ فتحت باب أسرارك، وأسرفت في التذكر وأنت تحدثني عن ذاكرة متخمة بالصور والأسماء من قريتي. كشفت عن أسماء ما أزال حتى اليوم أعرفها وأعرف وجوهها من الملكاويين الطيبين الذين تحفظ ذكرياتهم بكل ود.
ترددت في كتابة تلك الذكرى طويلا، ولكنني لا أدري لماذا عنّ على بالي اليوم أن أدونها وأنشرها. لا أدري لماذا، ولكن ربما لأنك كنت واحدا من الأشخاص الحقيقيين لرواية “رجال في الشمس”. الفرق الوحيد بينك وبين من مضوا بلا ذكرى، هو أنك تجرأت على العالم كله، حين مددت يدك وضربت بعنف على جدران الخزان.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock