أفكار ومواقف

إلى زياد بركات.. هل خسرنا الكثير؟

موفق ملكاوي

مؤخرا، كتب زياد بركات في شؤونه الشخصية عن اكتشاف كتاباته القديمة فجأة، مستذكرا رحلته الرمادية في فقدان الرغبة بالكتابة من دون سابق إنذار، وكيف طحنته الحياة بعجلتها، ولاكته الأولويات، فاختبأ وراء وهم أنه اختار طريقه بنفسه بلا أي ضغوط، واستحضر قوة مزيفة ليقنع الآخرين بصدق ما يقول.

كلنا هكذا يا رفيق!

كلنا أسلمنا رايتنا قبل أي نهاية، ورمينا أنفسنا وسط تيارات ظنناها ستكون رحيمة بنا، لكنها لم تكن كذلك، فقد عذبتنا وكسرتنا، روعتنا وكنا ظننا أننا آمنون في مخابئنا. أجبرتنا على أن نقول ما لا نؤمن به، وأن نضحك في أوقات كان البكاء فيها أكثر جدوى، وأقرب إلى ما نحس به.

كلنا هكذا يا رفيق؛ مشاريع غير مكتملة، ظنناها مؤجلة إلى زمن قادم، ولكننا لم نكن نعلم أننا أطلقناها لتكون حرة بعيدا عن قيودنا وكسلنا ورغبتنا العميقة في عدم اقتراف أي شيء، سوى أن نظل سائرين في الطريق الذي رسمته لنا خطى عابرين اقترحوا ما يجوز وما لا يجوز لنا!

شؤونك الشخصية هي شؤوني الشخصية الداخلية في كثير منها، وهي شؤون كثيرين، آمنوا أنهم لا يحتاجون مكانا تحت الضوء الساطع، وأن لا رغبة لهم في حشد جماهير مصفقة لـ”عبقريتهم”، فاختاروا الانسحاب إلى الظل، أو إلى الهامش من غير أي رغبة في أن يقترفوا حماقات رأوها في آخرين، فغضوا بصرهم عنها، وستروا عيب أولئك الذين لم يعرفوا أن الصمت فضيلة، والترفع، أحيانا، يكون غاية الزاهدين.

شؤونك الشخصية، هي شؤوني بكل تفاصيلها اللاذعة. بكل تطرفها غير الضروري أحيانا، وبكل صراحتها الموغلة في الجروح العصية على النسيان. كأنها صورة طالعة من أحزان تيسير سبول الصحراوية، وهو يؤبن ذلك البدوي الضالع في التلاشي، “ليّنا كالحلم”، ولكن “‏شربت حسرة ذاك الصوت حبات الرمال”. هو هو، بدوي “خطت الصحراء لا جدوى خطاه”.

.. ولا أنا أيضا أقرأ كتاباتي يا صديقي. أحيانا أمارس تعذيب النفس بتمزيقها وحرقها، أو حذفها عن جهاز الكمبيوتر. أحيانا أخرى، أكون أقل عدوانية فأسخر منها، وأتركها للهباء، فمن سيزعج نفسه بقراءة هذيانات لرجل استوطنت فيه الوحشة والوهن والاستسلام، وغاص عميقا في جوانيته ليكتب وهو مستسلم لسوداوية كافكا، وعبث صموئيل بيكيت!

لا أقرأ كتاباتي. ونعم؛ هناك نصوص أتذكرها بحنين غير مفهوم، وأحيانا يخطر في بالي أن أبحث عنها، لأرى حالها بعد سنوات من الضياع. هل ما تزال على حالها، أم أنها مثلي عبثت بها السنوات، وصارت أقرب إلى الوهن واليأس والاستسلام؟!

وأحيانا، أوغل في تلك الرغبة، فأخرجها من سباتها، وأقرأ. بالتأكيد ثمة شخص آخر هو الذي كتبها. شخص كانت له عينان مختلفتان. كان له اسم آخر، وأحلام ليست من ورق. كان يتقن لعبة المفردات، وينقش منها ما يريد. أينه ذلك الشخص اليوم؟!

هل خسرنا الكثير بخياراتنا التي انتهجناها يا صديقي؟ هل فاتنا كثير من المباهج أو حتى الحسرات؟ وهل اقتربنا من اليوم الذي نصرّح فيه بهزيمتنا الشخصية، مثلما فعلها محمد القيسي يوما، حين قال: “ أجل يا محمد. تظل المسافة أبعدْ. وما فاتنا من حسرات يظلّ يفوتْ. أجل أدركتنا الفنادق بعد انطفاء البيوتْ”.

هل سنفعل ذلك؟!!

المقال السابق للكاتب 

لماذا من الصعب إنشاء ديمقراطيات حقيقية اليوم؟

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock