أفكار ومواقف

إلياس الذي مضى!

أذكره حين هاتفني في أواخر العام 2007، مناقشا إياي حول مادة كنت ترجمتها من ملحق “التايمز” الأدبي، ونشرتها في “الرأي” للأديبة البريطانية المهمة دوريس ليسينغ حول انتقادها لليسار الأوروبي الذي تماهى مع عقلية اليسار العالمي وتحول فكره ولغته إلى انغلاق تام، مستعينا بمفهوم الصواب السياسي الذي لا يقبل الخطأ، مثلما لا يقبل الجدل أو النقاش.
يومها، كنت توقعت فوز ليسينغ بجائزة “نوبل” للآداب، ليس فقط لإبداعاتها، ولكن أيضا لتفردها بالشراسة النقدية للنظم القائمة؛ السياسية والاجتماعية.
بعد أيام أو أسابيع قليلة، فازت ليسنغ بالجائزة، فاتصل بي إلياس ثانية، ودعاني للاشتراك في ترجمة كتاب عن هذه الشخصية. وهو ما كان.
ميزته أنه هادئ، وصوته خفيض. حتى حينما تحاول استفزازه، فهو يعبر عن ذلك بشاربيه وكتفيه، وبحركات جسده الضئيل، لكن صوته يبقى ضمن الحدود التي تنبئ عن احترام الرأي.
هو بلا شك إلياس فركوح الذي غادرنا من دون أي أشارة مسبقة، فودعناه بالحزن والاستذكار.
لم يكن إلياس مجرد مبدع يؤلف الكتب، بل كان صانعا للفرح بما يختاره للنشر من إبداعات من خلال دار أزمنة، وهي دار النشر التي أسسها، وغامر فيها بسوق صغيرة مثل الأردن، لا يمكن التنبؤ بمخرجاتها.
في البداية لم يحدد هوية خاصة لهذا المشروع المغامرة، ولكن بعد حين، وبعد تجارب ناجحة، وأخرى لا تقترب من هذا اللقب، قرر أن مهمته الأساسية هي في الكشف عن الإبداعات الجديدة، والأصوات الصارخة في برية الإبداع من دون أن يلتفت إليها أحد.
ذكاء إلياس تأتّى من خلال اختياره اللحظة التي يطلق فيها مشروعه الثقافي. في العام 1989، بدا الأردن كما لو أنه في بداية لحظة تاريخية فارقة في الحريات يستطيع من خلالها أن يؤسس لانتقالة نوعية في مجال الأدب والدراسات والإبداع.
إلياس لم ينتظر كثيرا، فبتشجيع من كثير من الأصدقاء، أطلق الأديب الراحل مشروعه الثقافي المتواضع “دار أزمنة”. كان يريد له أن يكون مشروع نشر مختلفا تماما عما هو موجود.
من هذا الفهم المغاير، توجه الناشر إلى فئة جديدة من المبدعين. ليستهدف أولئك الذين لا تراهم دور النشر في العادة؛ الشباب، أو أولئك المبتدئون الذين يتلمسون طريقهم في عالم الإبداع.
لم يكن الأمر سهلا في قطاع يشهد منافسة شرسة، لكن نجاحات دار أزمنة بدت واضحة. الشباب توجهوا بمعظمهم إلى دار النشر الشابة تلك.
ليس المؤلفون فقط، ولكن حتى القارؤون، كانوا ينتظرون كتب الدار بفارغ الصبر!
في تلك الفترة، عاش الأردن الانفتاح في أوسع صوره، فقد كانت الصحافة الثقافية تعيش عصرها الذهبي، وكانت دار أزمنة تعيش في تلك الصحافة في أبهى صورها.
إلياس، الذي اعتبر الأمر مغامرة غير محسوبة النتائج في البداية، أدرك أن رهانه على الشباب وعلى الإبداع الجديد لم يكن مخطئا فيه، خصوصا حين اعتلت أسماء كثيرة راهن عليها سدة المشهد الثقافي والإبداعي المحلي، واستطاعت أن تظفر بجوائز عربية مهمة.
في تلك الفترة، كانت “أزمنة” تعني الفرصة للكتاب المالكين حقا لأدواتهم الإبداعية، ولكنهم لم يمتلكوا أدوات النشر التقليدية، لكن إلياس كان يملك السبل الملائمة التي تمكنهم من أن يتواجدوا على الساحة، وأن يسهموا في المشهد الإبداعي على أساس “ما ينفع الناس يمكث في الأرض”.

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock