أفكار ومواقف

إليك هذا الملف أيها الرئيس!

علينا أن نتخيل لو قرر مئات آلاف المطلوبين على خلفية قضايا مالية، تسليم انفسهم للجهات المختصة بنفس الوقت، والمشهد الذي نتخيله هنا، قد يدفع هذه الجهات إلى توسل المطلوبين ان يختفوا وان لا يسلموا انفسهم.
أكثر من ربع مليون شخص مطلوب للتنفيذ القضائي، وأغلب القضايا مالية، ومئات آلاف القضايا أمام المحاكم واغلبها مالي، والقضايا تتزايد، واعداد المطلوبين ترتفع يوما بعد يوم، ولا مكان في السجون أساسا لكل هؤلاء، والسجون أساسا تفيض بمن فيها، وهذا ملف آخر، بحاجة إلى أن يتم فتحه لاحقا.
هل يعقل أن تبقى التشريعات كما هي بخصوص القضايا المالية في الأردن، وكيف يمكن معالجة هذا الوضع دون الاعتداء على حقوق الذين يطلبون مالهم، وبذات الوقت، عدم مس العدالة، وأيضا مراعاة واقع البلد الاقتصادي الذي وصل مرحلة صعبة جدا، بحيث بات أغلب الناس، يواجهون مشاكل مالية، قد تتحول إلى قضايا، وأحكام قانونية، وبالتالي التعميم عليهم، كونهم مطلوبين عبر التنفيذ القضائي!
المفارقة هنا تكمن في أن لا مصلحة للتنفيذ القضائي، ولا للجهات المختصة، في الوصول إلى كل المطلوبين، لان الوصول إلى كل الاعداد المطلوبة، يعني الحاجة إلى ستاد مثل ستاد عمان، ومثل مساحته عشر مرات، لجمع هؤلاء في مكان واحد، وهذا يعني ان ملف المطلوبين على قضايا مالية، ملف مثقل بتعقيداته، ولا يمكن ان يبقى هكذا، بحيث يصير صعبا على الدولة ذاتها، تحمل كلفته.
لا أحد يدعو إلى التنازل عن حقوق الناس، لكن لا بد من حلول بديلة، اقلها تأسيس وتفعيل مراكز للمصالحات والتسويات المالية، قبيل الوصول إلى القضاء، والمحاكمات، وتغيير التشريعات، بحيث لا يتم ارسال أي قضية إلى المحاكم، إلا ضمن سقوف مالية معينة، وشروط محددة، إضافة إلى تغيير النظرة القانونية إلى الشيكات، وإيجاد بدائل معينة عنها، والتفريق بكل قوة بين حالات النصب والاحتيال، وحالات التعثر وعدم القدرة على السداد، لان الفرق بين الحالتين كبير.
الوضع الاقتصادي، يتراجع، وهذا يعني أن هناك أعدادا إضافية تنضم سنويا الى قوائم المطلوبين، وكما اشرت، فإن الدولة ذاتها، لا تحتمل امتثال الناس للقانون وتسليم أنفسهم، فلا مكان لتوقيفهم، ولا قدرة أساسا على إدارة وضعهم.
الظاهرة الأخطر التي تم الحديث عنها مرارا، ولا أحد يريد أن يسمع، ظاهرة الأردنيين الهاربين إلى تركيا ودول أخرى، بسبب قضايا مالية، وربما بعضهم يكون محتالا، لكن اغلبهم، متعثر ماليا، لم يستطع سداد ديونه، فاضطر أن يغادر، وهو فوق ما هو فيه، تمنع الجهات الرسمية تجديد أي وثيقة رسمية له، كجواز السفر، من باب الضغط عليه، حتى ينفذ الحكم المحكوم ضده، أو يسدد دينه، لكن المفارقة تكمن في اننا نعاقبه مرتين، الأولى بهروبه جراء التعثر المالي، والثانية تحويله إلى مقيم مخالف للقانون في الدولة التي يتواجد فيها، بحيث يتم حرمانه حتى من الحصول على فرصة عمل، قد تساعده في سداد جزء من دينه، او إدارة شؤون عائلته حتى يجد حلا لأزمته المالية، فيسكت الجميع عن هذا الجانب الذي يعد خرقا للدستور، ولا جذر قانونيا له، وفيه تجاوز على حقوق الإنسان، بكل ما تعنيه الكلمة.
الجانب الأهم، في القضايا المالية، ان سجن المدين، لا يؤدي إلى سداد الدين، فهناك عشرات آلاف الحالات، تم سجنها، فتعثرت ماليا، بشكل إضافي، وفوق دينها، تم تدمير عائلة المدين، بحرمانها من اقل حقوقها، وكأننا ننتقم جماعيا من كل العائلة، هذا إضافة الى ان سجن المدين، يمنع أي فرصة للمصالحة، او فرصة لا يجاد حل مالي، إذ كيف يمكن لسجين لا يعمل، ان يجد حلا لمشكلة، لم يجد لها حلا وهو غير سجين، وبهذا المعنى يخسر الدائن، فوق انه يسرف في صلاحيات إعادة سجنه، مرارا كلما خرج، ما دام الدين لم يتم سداده، وكأنه مسموح هنا للدائن ان ينتقم اضعاف المبلغ الذي له، بذريعة ان له حقا ماليا.
آن الأوان أن تصحو الدولة على ملف القضايا المالية، بعد ان توسعت الظاهرة بشكل غريب جدا، وبحيث بات أغلب الشعب مطلوبا على خلفيات مالية، وهذا وضع لا يمكن الاستمرار بالتعامل معه بذات الطريقة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock