أفكار ومواقف

“إنترنت الإنسانية”

الفكرة التي طرحها جلالة الملك من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، حول أنسنة شبكة الإنترنت ضمن الخطوات السبع التي اقترحها، لتثبيت قواعد الحوار والتسامح بين الشعوب، تحتاج (هذه الفكرة) إلى التقاط أردني وعربي جاد، والعمل عليها بعيدا عن الإنشاء السياسي المحلي.
العالم خارج هذا الإقليم قطع، بالفعل، أشواطا طويلة فيما بات يسمى اليوم “إنترنت الأشياء”؛ أي الشبكات الهائلة التي تساهم في خلق حياة أفضل للبشر، عبر الذكاء الاصطناعي، والكم الهائل من التطبيقات الذكية التي تربط الأشياء بالعمل بالحياة. كما قطع العالم مسافات لا بأس بها في توظيف الشبكة الإلكترونية لخدمة الإنسانية. هذا فيما ما تزال منطقتنا تشكل بقعة سوداء؛ سواء في “إنترنت الأشياء” أو “إنترنت الإنسانية”، بل وساهمت هذه الشبكة في إخراج أسوأ ما فينا للعالم.
إن الساحة الحقيقية لتخفيف وطأة الفجوة الرقمية التي يعيشها العالم العربي، تتمثل في مواجهة تحدي تطوير المحتوى العربي على الشبكة، ومنحه قيمة إنسانية، وتحويله من أداة للتأزيم وخلق الاستقطاب، وبالتالي أداة صراعية، إلى أداة إنمائية. لقد شهد المحتوى الرقمي العربي على شبكة الإنترنت خلال آخر خمس سنوات، تحولات مفاجئة، تبدو للوهلة الأولى أنها تشير إلى قدرة المجتمعات العربية على تجاوز الركود الحضاري، كما قدرة اللغة العربية على المواكبة. إلا أن هذه التحولات التي زادت من عدد المستخدمين العرب للإنترنت، وبالتالي زادت من حضور اللغة العربية على الشبكة، ما تزال أقل من المعدلات المفترضة، هذا إلى جانب الضعف الواضح في نوعية المحتوى العربي.
على كل الأحوال، سجل المحتوى العربي تطورا مهما خلال السنوات الخمس الأخيرة؛ إذ شكل نمو اللغة العربية على الشبكة ظاهرة غير مسبوقة لدى الكثير من اللغات العشر الأولى على الشبكة؛ فقد كان هذا المحتوى قبل العام 2010 لا يتجاوز نصفا بالمائة من المحتوى العالمي، وخلال السنوات القليلة الماضية تجاوز 3 % من المحتوى العالمي، ما جعل اللغة العربية أكثر اللغات نموا. لكن للأسف، وعدا عن أن هذا المحتوى من الناحية الكمية أقل من حجم الكتلة السكانية العربية التي تشكل نحو 5 % من سكان العالم، فإن المشكلة الأكثر أهمية تتمثل في نوعية هذا المحتوى؛ فهو محتوى يعاني من رداءة وضعف مخجلين.
حينما نبحث عن مساهمة عربية في أنسنة الإنترنت، وجعل هذه السلطة الخامسة أكثر إنسانية وذات ثقل أخلاقي في هذا الجزء من العالم، علينا أن نلتفت، أولا وقبل أي شيء آخر، إلى حجم الضعف والفوات في المحتوى العربي. وعلينا أن نلتفت إلى أن النمو الذي شهده هذا المحتوى خلال السنوات الخمس الأخيرة، ارتبط بعلاقة طردية مع أسوأ توظيف للشبكة في معارك سياسية غير عادلة وغير أخلاقية.
ففي الوقت الذي لا توجد فيه مبادرات عربية جادة لتطوير المحتوى العربي ومنحه قيمة إنسانية وأخلاقية، إلى جانب القيمة التنموية، فإن حجم التوظيف السياسي والدعائي يزداد بشكل مرعب وغير محتمل. إذ في اللغات كافة، يمارس النشطاء وحتى وسائل الإعلام الكذب ونشر الاشاعات، ولكن ليس بالحجم والفجور الذي يمارس في هذا الجزء من العالم، حتى تكاد تشاهد في الفضاء الافتراضي كيف أن الناس والمجتمعات منقسمون بطريقة تفوق عشرات مرات ما هو موجود في الواقع؛ وتشاهد في هذا الفضاء الافتراضي حجم الكراهية ورفض الآخرين، والرغبة الممعنة في الأعماق بالنكاية ونشر التعاسة.
في الواقع الافتراضي العربي، تبرز الرغبة في الانتقام والثأر أكثر من الرغبة في الحرية والانعتاق؛ والرغبة في التجهيل ونشر العماء والصمم، أكثر من نشر المعرفة والفهم، ما يجعل استعادة الإنسان العربي على الشبكة واحدة من المهام الأساسية لاستعادة الضمير لهذه المجتمعات.

تعليق واحد

  1. أين ميزان القياس لسهولة الإستدلال والفرز؟
    حتى يتسنى لنا قبول اقتراحك استاذ باسم اضف الى ذلك لنتعرف انحن متخلفين ام نحن من هواة جلد الذات وان ابلجت في وسط مقالك مؤشر الصراع وهو "صراع المعايير" وحتى نسلّم جدلا بما جاء من وصف للحالة العربيه على الشبكة ؟ نستبيحك عذرا ان تقدم لنا نصا للناظم المتفق عليه مابين هذا الكم البشري كفيصل للحكم على هذا وذاك " واذا كانت القوانين الإنسانية (الأممية) في هيئة الأمم واذرعها المتعددة غير قادرة على احتواء الإختلاف نظرا لجوهر مؤشراتها المصالح والقوي من يطبق القانون والضعيف لاحول ولاقوة له بعيد عن الثوابت التي فطر الله خالق الكون عليه خلقه حب الخير والتكافل والمساواة"ولافرق بين عربي وعجمي الإ بالتقوى" صلة المخلوق بخالقه دون اكراه اوتدخل" ونحن بانتظار ردك وجزاك الله خيرا ان انرت لنا الطريق حتى نخرج مما نحن فيه؟؟ "ومن علم علم فله اجر ما عمل به عامل ولا ينقص من اجر ذلك العامل شيئا"

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock