أفكار ومواقف

“إنجازات” التنمية الاجتماعية!

قرأت تصريح وزيرة التنمية الاجتماعية، حول قيام وزارتها بإغلاق 14 دار حضانة، بمشاعر مختلطة، وحيرة حقيقية بين تصديق ما قالته عن أن وزارتها “لا تتساهل في أية قضية يتعرض فيها طفل أو طفلة للإساءة”، ومراجعة تجربة شخصية مررت بها في العام الماضي.


لم تكن الوزيرة لطوف في موقعها يومها. ربما تغيّر شيء اليوم، مع علمي أن الذي لم يتغير، هو حال صغار موظفي الوزارة، الذين يقومون بالجولات الميدانية، ويكتبون تقاريرهم عن أحوال الحضانات، وينسّبون بتوصياتهم حولها، فيتخذ المسؤولون قراراتهم بناءً عليها، تجاه أحوال لم يروها بأعينهم.


التجربة الشخصية، وقعت بعد أن قررت الوزارة في العام الماضي، إغلاق دار الحضانة التي يلتحق بها ولدي الصغير، بناءً على توصية من إحدى الموظفات الميدانيات، ادّعت أمام مدير إحدى مناطق عمّان، حين كنت أراجعه في الموضوع، أن أسلاك الكهرباء متدلية من الحائط، وأن الرطوبة تملأ جدران الحضانة، وغير ذلك من الادعاءات غير الصحيحة، ولكن التي تُظهر إدارة الحضانة باعتبارها مجرمة، تتاجر بسلامة الأطفال، وهو كلام لا يملك المسؤول تجاهه إلا إصدار “فرمان” بإغلاق الحضانة، وتشريد الأطفال منها “حفاظاً على سلامتهم”، من دون أن يدقق إن كان في كلام الموظف الصغير ذاك، ما يقوم على تجاوزات، وسوء استعمال لـ”السلطة!”، أم لا.


ما يدفعني لاستذكار هذا، بمناسبة تصريح الوزيرة، أنني في اليوم الذي كنت أراجع فيه حول ذلك الموضوع، مطالباً بوقف الظلم عن الأطفال والأهالي، قبل وقفه عن إدارة الحضانة، قمت أولاً بزيارة تلك الموظفة التي كتبت التقرير، في مكتبها، فاضطررت لانتظارها نصف ساعة كاملة حتى تفرغ من مكالمة هاتفية كانت تتحدث فيها مع إحدى صديقاتها، على ما يبدو، وتخبرها عن سوء أحوالها الصحية في الليلة السابقة، وغير ذلك من الأمور الشخصية التي لا تُقال على الملأ في العادة، ومعنى هذا أن تلك الموظفة لم تكن تأخذ باعتبارها المراجعين الحاضرين في مكتبها، ولا تهتم لسماعهم أحوالها الشخصية، فهم بالنسبة لها غير مرئيين، أي لا قيمة لهم. وبعد أن فرغت من مكالمتها الطويلة تلك، راحت تتحدث إلي بجلافة، باعتباري محتاجاً لتعطفها وتلطفها، ثم راحت بعد أن انتقلنا إلى مكتب مدير المنطقة الجغرافية، تلقي تلك الادعاءات غير الصحيحة عن أحوال الحضانة، والتي تخيّلت معها أنني أب مجرم لأني أرضى لولدي أن يمكث في تلك الظروف الخطيرة والبشعة. بعد ذلك، قيل لي إنها اتهمتني بأنني إنما أراجع وأهتم بشأن الحضانة، لأني شريك فيها!


والمحزن، أن مشكلة تلك الحضانة، التي هي من أفضل الحضانات في محيطها الجغرافي، لم تُحل يومها إلا حين تمكّنت إدارة الحضانة من توفير “واسطة” من العيار الثقيل، إذ لم تفلح كل وسائل الإقناع المنطقية، ومنها دعوة المسؤولين لزيارة الحضانة والوقوف على أحوالها بأنفسهم، في دفع ذلك البلاء عن استقرار الأطفال وأهاليهم.


ما أود قوله اليوم، بينما الوزيرة تصرّح مفاخرة بإنجازاتها في “حماية الأطفال”، أن الكلام لا يجوز أن يؤخذ على ظاهره، وأن عقوبات الإغلاق والإنذار والإيقاف عن العمل، ليست في حقيقتها “إنجازات”، بل ربما يكون في بعضها “إخفاقات”، بخاصة إذا قامت على ادعاءات مدفوعة بسوء استعمال الصلاحيات الإدارية.


علينا الاعتراف أن هناك مشكلة حقيقية في “بعض” صغار الموظفين، الذين يظنون أن سلطاتهم الإدارية نقلتهم من عداد المواطنين المهمّشين، إلى طبقة أصحاب القرار، فتصدر عنهم تصرفات تعوزها سعة الأفق، وهذا طبيعي، لكن غير الطبيعي أن لا يدقق كبار المسؤولين في تلك التصرفات، كي يحموا هؤلاء الموظفين من أنفسهم، قبل أن يحموا الناس من ضيق أفقهم!


[email protected]

تعليق واحد

  1. تحقيق العدالة … سراب ووهم
    الصحيح ان النسبة الكبرى من موظفي الحكومة يجب ان يتم محاسبتهم ومعاقبتهم لاستغلال مناصبهم أو وظائفهم الرسمية في القطاع العام. أن الأمثلة على ذلك كثيرة وكثيرة جدا، وها هو مثال صغير فقط الذي ذكره الكاتب الفاضل.

    لا أدري متى سنقضي على الفساد الاداري في مؤسسات الدولة ويتم محاسبة وعقاب أمثال هؤلاء الموظفين المستغلين لوظيفتهم في كثير من الاوقات. لقد تعب المواطن الذي لا ناقة له ولا جمل سوا ان يدفع الضرائب المستحقة عليه وأن يتعامل مع مثل هؤلاء الموظفين المستغلين رغما عنه ولا يجد من يغيثه. الكلام كثير فبالامس القريب تسمع عن استغلال سيارات الحكومة في بيع الخضار وغيرها.

    المشكلة هي ان هذا المواطن المسكين هو الذي يدفع رواتب هؤلاء الموظفين المستغلين لمناصبهم في الحكومة. حسبي الله ونعم الوكيل في هؤلاء الموظفين غير الشرفاء.

    ترى متى سينتهي مثل هذا التخلف ومتى سيتم تحقيق العدالة….

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock