أفكار ومواقف

إنجازات انتفاضية

حققت الانتفاضة الفلسطينية -بغضّ النظر عن تسميتها- التي بدأت مطلع الشهر الماضي، عددا من الإنجازات المهمة التي يمكن المراكمة عليها. ويمكن القول إنّ هذه الانتفاضة، بغض النظر عن مآلاتها، ستفرض منطقاً وواقعاً جديدين للتفكير والأمور، وهذا رغم الافتقار لأهداف آنيّة مباشرة واضحة، أو رغم معضلات القيادة والإسناد الميدانيين لها.
أحد الإنجازات التي حققتها الانتفاضة، أنها ضربت سيناريو التغول الاستيطاني، الذي كان يريد تعدي القدرة على بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي، إلى الوصول إلى مرحلة قيام المستوطنين بعمليات تطهير عرقي صريح، من نوع الهجوم على القرى الفلسطينية وطرد الفلسطينيين، وحرقهم، وحرق أشجارهم من دون أن يمسهم أحد، أو يتصدى لهم أحد. وكان أحد أهم أسس مواجهة هذا المخطط، هو أهالي القرى الذين شكلوا لجان حراسة. وعدا عن معنى هذه اللجان والجهود على نطاق بناء الفعل الفلسطيني الشعبي، فإنّها كانت مؤشرا على التسليم بأنّ السلطة الفلسطينية، وأجهزتها، والعمليات الدبلوماسية والتنسيق الأمني، لم تعد ضمن حسابات الأهالي في تأمين الحماية لأنفسهم؛ بل وحتى الفصائل فإنّ تفعيل عناصرها لدورهم في الدفاع عن القرى أصبح يتقرر من واقع ميداني مواقعي (يرتبط بكل موقع على حدة). من دون أن يعني هذا أن المستوطنين سينكفئون كلياً، أو أنّهم توقفوا في كل المناطق، ولكن تقلصت مخططاتهم عندما ووجهوا بحسابات جديدة.
لعل الإنجاز الثاني الذي حققته الانتفاضة، هو الإنجاز الأهم، ويتمثل في فشل استراتيجية تحويل الصراع (Conflict Transformation). ولو عدنا إلى حديث مسؤولين أميركيين، ومنهم جون كيري، لوجدناه يستخدم هذه المصطلحات، (Transformative). وعلى سبيل المثال، استخدمها كيري وهو يتحدث عن دور رجال الأعمال، ومبادراته الاقتصادية والاستثمارية. والمقصود بعملية التحويل: إحداث تحول عقلي وفكري واجتماعي، ينشئ بنية جديدة لدى الفلسطينيين، ويجعل فكرة المقاومة غير مطروحة، ويوجد “مناخا” جديدا. وعملية التحويل منها ما هو مقصود، ومنها ما هو نتيجة غير مخططة؛ فمثلا تقسيم مناطق الضفة الغربية إلى (أ) و(ب) و(ج)، وجعل المناطق ذات الكثافة السكانية تحت سيطرة قوات الأمن الفلسطينية، وبعيدا عن إمكانية المواجهة المستمرة للجنود الإسرائيليين، حولا كثافة الفعل المقاوم، وجعلا الانتفاض صعبا. لكن ما اتضح حاليا هو تحول المواجهات إلى القدس ونقاط التماس. كذلك، فإن الارتباط برواتب شهرية من السلطة الفلسطينية، والغرق في دوّامات الديون البنكية، وقطاع المنظمات غير الحكومية الذي تحول إلى قطاع عمل يعتمد على تمويل أجنبي مشروط، كل ذلك كان من شأنه تفريغ الشارع وميدان المقاومة من كوادره، لكن اتضح الآن أن كل ذلك لم يحُل دون ظهور جيل جديد، حرّك من خلفه أجيالا أكبر سناً، وأثبت تفوق الواقع الموضوعي للاحتلال الذي يفجر الثورات، أكثر من تكتيكات إدارة احتواء الصراع.
ويرتبط بالإنجاز الثاني بعث وتأجيج الروح النضالية والتمكين للكوادر المقاومة؛ أي إنّ هناك جيلا جديدا، ومناضلين، يستطيعون الآن تجديد روح المقاومة.
والإنجاز الرابع، أنّه اتضح أنّ الانقسام بين الفصائل وحالة الشلل السياسية يمكن تجاوزهما، وعدم التوقف عندهما، وإعادة البوصلة من قبل جيل جديد، نحو العدو الحقيقي، المتمثل في الاحتلال. وهذا سيؤدي إلى وضع القوى السياسية المنقسمة أمام مسؤولية التوحد، وتطوير برنامج عمل مقاوم حقيقي وشامل، بعيدا عن مقولات التفاوض والدبلوماسية المجردة، وبعيداً عن نمط واحد من المقاومة، وإلا فإنّه يصبح متوقعاً أنّ الهبّة الحالية ستدفع وبشكل جديد شرائح مختلفة للتفكير في كيفية الإسناد السياسي والميداني للفعل الشعبي المقاوم، إن لم يكن في هذه الهبة ففي الهبات التالية.
أعادت الانتفاضة الاعتبار للفعل المقاوم، ومثلت قرارا شعبياً يتجاوز الاتفاقيات الأمنية والسياسية، التي تعلن القيادة السياسية نفسها أنها لا يمكن أن تستمر بها، ومثلت ترجمة لعدم الإمكانية هذه وعدم التسليم بالأمر الواقع.
قد تكون الأمور بخواتيمها، وبما ستحققه من نتائج سياسية وميدانية فعلية. وقد يعتقد كثيرون أنّ محصلة الانتفاضات السابقة لم تكن إيجابية، وأنّها جرّت دماراً على شكل اتفاقيات أوسلو، أو اجتياحات إسرائيلية وتغول استيطاني. وبطبيعة الحال هذا غير صحيح، فالأداء السياسي والقيادي هو الذي لم يحسن توجيه الانتفاضات واستثمارها وطنياً، ولكن الأكيد أن تلك الانتفاضات أوجدت إرثا تاريخيا يضمن استمرار المقاومة بانتظار الترجمة السياسية الفعالة للمقاومة، وتحقيق الحصاد الملائم المتمثل في التحرير.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock