أفكار ومواقف

إنجاز بيروت والعروبة المتعافية

غريب امر الشعوب حين يأتيها حدث تاريخي انتظرته طويلا، فتكاد لا تبالي به او انها تتأخر في ادراك حجمه.


اللبنانيون كانوا يوم الثلاثاء كمن ليسوا معنيين بالاحتفال الذي انهى عهد الوصاية السورية على بلادهم. لم يحتفلوا، ولم ينزلوا الى الشوارع! ربما لأن الشعور بالابتهاج يسيطر عليهم منذ ان احتلوا الساحات محتفلين مسبقاً بقرار الحرية الذي كسروا به جدار الخوف، او لأنهم منشغلون بهمّ المستقبل القريب، وعنوانه الانتخابات النيابية المفترض اجراؤها في نهاية الشهر المقبل. في الحالين، بدا استكمال الانسحاب السوري تحصيل حاصل، على ما كتبت سحر بعاصيري في “النهار”، بعد تظاهرة الرابع عشر من آذار، التي ملأت قلب بيروت بنحو مليون ومئتي الف مواطن، يعلنون انهيار الوصاية السورية ونهاية الدولة الامنية واستعادة حريتهم.


اما السوريون، فيبدو ان المسافة التي وضعها النظام القائم بينه وبينهم تحول دون ان يشعروا بأنهم معنيون بالسياسات الرسمية، وقد يمضي بعض الوقت قبل ان يتنبه معظمهم الى ما وصلت اليه اقلية ناشطة منهم، وهو ان الشعب السوري شريك للشعب اللبناني في الحدث الذي انجز، بل ان الاثنين معاً مستفيدان منه استفادة مباشرة.


بيد ان فتور اللحظة، بالمقارنة خصوصا مع سخونة الاسابيع الماضية، لا يمكن ان يخفف من ضخامة الحدث الذي جاء يطوي صفحة طويلة، ليس من تاريخ لبنان وتاريخ سورية فحسب، بل من تاريخ المشرق العربي.


فما انتهى هو ايضاً الوظيفة الاقليمية التي جعل منها الرئيس حافظ الاسد اساساً لحكمه، فيما بدت السياسة الداخلية على تراجع في سلم اولوياته. ولتبيان “وظيفية” لبنان قد تجدي المقارنة بين التواضع الذي بدا من الوفد السوري اثناء قمة الجزائر الاخيرة وبين الفوقية التي طالما ميزت الاداء السوري في القمم العربية السابقة، لا سيما من خلال وزير للخارجية لا يتبدل ولا يتحول. لكن الاهم طبعاً هو ان حرمان الحكم السوري من امكان التلاعب بالساحة اللبنانية يحول دون استخدامه في الضغط على الجسم السياسي الفلسطيني، ويحد في الوقت نفسه من امتدادات حليفه الايراني. وفي هذا المعنى، فإن انتهاء الحقبة اللبنانية من تاريخ البعث السوري تمثل خطوة الى الامام في اتجاه علاقات سياسية اكثر طبيعية في المشرق العربي؛ ولا نقول طبيعية بالكامل ما دامت اسرائيل تتصرف كجسم غير طبيعي مع البلدان العربية حولها.


وتأتي استعادة لبنان استقلاله لتدعم التوجه نحو علاقات عربية اكثر صحية وطبيعية، وخصوصاً على ضوء التوجه الوسطي الطاغي الآن على الطبقة السياسية اللبنانية. فرغم كل النواقص البادية على جبهة المعارضة، ورغم جهوزية معظم اقطابها لأن يخيبوا آمال التغيير التي حملتها “انتفاضة الاستقلال”، الا انه من المؤكد حتى الآن ان نزعة التعقل هي التي تسود عندما يأتي الامر الى علاقات لبنان بمحيطه. اذ ثمة توافق بين المعارضين على رفض استدراج لبنان في اي مغامرة قد تستهدف سورية، بقدر ما هناك توافق على ضرورة الامتناع عن استعجال اي سلام منفرد مع اسرائيل. في ظل هذا التعقل وما يتيحه من اعادة تموضع للديبلوماسية اللبنانية داخل الاسرة العربية وخارج اي سياسة للمحاور، تؤمن استعادة لبنان حيويته الديموقراطية فرصة للترويج لعروبة متعافية من نزعة الاستتباع.


في المقابل، قد يفضي انحسار نفوذ الحكم البعثي الى داخل الحدود السورية الى ادخال عنصر تأزيم جديد الى الحياة السياسية العربية. فإذا كان الدخول الى لبنان هو ما كرس دور سورية كلاعب اقليمي كبير في “الصراع على الشرق الاوسط”، فإن الخروج منه قد يعني، بشكل تلقائي، استئناف “الصراع على سورية”. ولعل إحجام النظام البعثي عن تحرير الحياة السياسية السورية من قيد الحزب الواحد هو ما يزيد في التأزيم، ولا سيما مع تسارع ترهل الحكم. ومن هذا المنطلق، فإن الضامن الافعل لمستقبل سورية سيكون باستعادة المجتمع السوري، وبعد المجتمع اللباني، حيويته الديموقراطية. وفي ذلك التتويج الاجمل لربيع بيروت.


ان حدث الانسحاب السوري لم يطوِ فقط صفحة الهيمنة والوصاية، بل طوى في الوقت نفسه صفحة اكثر اشراقاً هي صفحة الممانعة والاعتراض على الهيمنة. هذه الممانعة لم تبدأ مع اغتيال رفيق الحريري. على العكس من ذلك، لا يمكن فهم ما آل اليه الانفجار الشعبي الكبير خلال تشييع الحريري وبعده الا كثمرة لعمل طويل ومضن اضطلعت به قوى طليعية في المجتمع اللبناني، من طلاب ومثقفين وناشطين. وقد كان هذا “التشبيك” المتعدد المستويات القاعدة الصلبة التي امنت للتحرك الشعبي استدامته، وحصنته ضد الخروقات والنزعات الفئوية. كما ساهم هذا النضال المديد في خلخلة النظام الامني، وايما خلخلة، وفي نخر جدار الخوف الذي انتهى الى الانهيار فأطلق ربيع بيروت.


هنا العبرة الاهم مما حصل في بيروت. فمن دون التقليل من دور العوامل الدولية والاقليمية، الا أن ما ستحفظه الذاكرة الجماعية اللبنانية، وعن حق، هو ان الحرية المستعادة قد انجزت في الشارع.


انها عبرة برسم المجتمعات العربية الاخرى، بدءاً بالمجتمع السوري، لكن البناء عليها يبدأ بتبنّي الانجاز اللبناني بوصفه انجازاً عربياً يساهم في استعادة الزخم النهضوي، ويعيد الامل بمستقبل عربي اقل عبوساً.


 

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock